تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مجموعة رسائل الإمام الغزالي — صفحة 176

مساهمون:

ص١٧٦
كلّ العداوة قد ترجى إزالتها * إلّا عداوة من عاداك من حسد
وتدبيره : أن تتركه بمرضه وتعرض عنه عملا بقوله تعالى :
فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنا وَلَمْ يُرِدْ إِلَّا الْحَياةَ الدُّنْيا
[ النجم : 29 ] . فإذا تعرضت له واشتغلت بمداواته فقد أشعلت نار حسده التي هي مما يحبط الأعمال ، كما في الحديث « الحسد يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب » . الثاني : أن تكون العلة من الحماقة وهذا لا يمكن علاجه لقول عيسى عليه السلام : ( ما عجزت عن إحياء الموتى ولكن عجزت عن إصلاح الأحمق ) . وهذا هو الذي اشتغل يومين أو ثلاثة بتحصيل العلم ولم يشرع في العلوم العقلية أصلا ، ومع هذا يعترض على العلماء الذين صرفوا عمرهم في تحصيل العلوم ولم يعلم أن الاعتراض على العالم العظيم من طالب صغير لا يكون إلا من الجهل وعدم المعرفة ، فهذا لم يعرف قدر نفسه ولا قدر هذا العالم من حماقته وعدم معرفته ، فينبغي أن تعرض عن هذا أيضا ولا تشتغل بجوابه . الثالث : أن يكون السائل مسترشدا ليس فيه أهلية لفهم كلام الأكابر لقصور فهمه عنه ، ويسأل عن جهة الاستفادة عن غوامض الأمور التي يكون قاصرا عن إدراك حقائقها ، ولا يرى قصور فهمه فلا تشتغل بجوابه أيضا ، لأن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال : « نحن معاشر الأنبياء أمرنا بأن نكلم الناس على قدر عقولهم » . الرابع : أن يكون مسترشدا ذكيا لبيبا عاقلا ليس مغلوب الغضب والشهوة والحسد وحب المال والجاه ، بل طالبا لطريق الحق ، سائلا من غير تعنت ، فهذا المريض يمكن علاجه فالاشتغال بجوابه لائق بل واجب . الثاني : أن تحترز من الوعظ والتذكير إلا أن تعلم أنك علمت أولا بما تقول مؤملا قبل أن تتكلم . قال اللّه تعالى لعيسى عليه السلام : « يا ابن مريم عظ نفسك فإن اتعظت فعظ الناس وإلا فاستحي مني » . فإن كنت كذلك وابتلاك اللّه بالوعظ فاحترز من شيئين : الأول أن تحترز من التكلف في الكلام بالعبارات والإشارات والشطحات والأشعار ، لأن اللّه تعالى يعد المتكلفين في الكلام أعداء له لأن التكلف يدل على خراب باطن صاحبه وغفلة قلبه ، مع أن المقصود من التذكير استحضار مصائب الآخرة والتقصير في خدمة المولى جلّ وعلا ، فتأمل في العمر الماضي والعقبات التي في الطريق حتى تخرج من الدنيا بسلامة الإيمان وتنجو من هول قبضة ملك الموت وسؤال منكر ونكير ورد جوابهما . وأيضا تأمل في هول القيامة وموافقها وحسابها والميزان والعبور على الصراط والنار ومصائبها ، فهذا هو الذي ينبغي تذكره وتذكير الخلق به وتطلعهم على تقصيرهم وعيوبهم لأجل أن توقع في قلوب أهل المجلس خوف حرارة النار ومصائبها ، ليتذكروا تفريطهم في الزمن الماضي بالندم عليه والتحسر على ضياع العمر الذي انقضى بغير طاعة . فالجملة المذكورة بالكيفية المتقدمة يقال لها وعظ مع عدم التكلف في الكلام بالفصاحة والتسجيع