تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مجموعة رسائل الإمام الغزالي — صفحة 113

مساهمون:

ص١١٣
لنور العين فتدرك بذلك الجليات والخفيات . وأما الحياة : فهي نفس التوحيد . قال اللّه تعالى :
أَ وَمَنْ كانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْناهُ
[ الأنعام : 122 ] وأما اليقين : فاعلم أن الاعتقاد والعلم إذا استوليا على القلب ولم يكن لهما معارض أثمرا في القلب المعرفة ، فسميت هذه المعرفة يقينا ، لأن حقيقة اليقين صفاء العلم المكتسب حتى يصير كالعلم الضروري ويصير القلب مشاهدا لجميع ما أخبر عنه الشرع من أمر الدنيا والآخرة . يقال : أيقن الماء إذا صفا من كدورته . وأما الإلهام : فهو حصول هذه المعرفة بغير سبب ولا اكتساب ، بل بإلهام من اللّه تعالى بعد طهارة القلب عن استحسان ما في الكونين . وأما الفراسة : فهي التوسم بعلامة من اللّه تعالى بينه وبين العبد يستدل بها على أحكام باطنة ، وذلك لا يكون إلا في درجة التقريب وهو دون الإلهام ، لأن الإلهام لا يفتقر إلى علامة والفراسة تفتقر إلى علامة وهو عام وخاص ، واللّه سبحانه وتعالى أعلم .

الباب السادس في بيان معنى النفس والروح والقلب والعقل

اعلم أن هذه الأسامي الأربعة مشتركة بين مسميات مختلفة ونحن نشرح من معانيها ما يتعلق بغرضنا . الأول : لفظ القلب وهو يطلق لمعنيين : أحدهما : اللحم الصنوبري الشكل المودع في الجانب الأيسر من الصدر وفي باطنه تجويف فيه دم أسود وهو منبع الروح الحيواني ومعدنه . والمعنى الثاني : هي لطيفة ربانية روحانية لها بهذا القلب الجسماني تعلق يضاهي تعلق الأعراض بالأجسام والأوصاف بالموصوفات ، وتلك اللطيفة هي حقيقة الإنسان المدرك العالم المخاطب المطالب المثاب المعاقب . اللفظ الثاني : الروح وهو أيضا يتعلق بغرضنا لمعنيين : أحدهما : جسم لطيف بخاري حامله دم أسود منبعه تجويف القلب الجسماني ، وينشر بواسطة العروق الضوارب إلى سائر أجزاء البدن وجريانها في البدن وفيضان أنوار الحياة ، والحس والبصر والسمع والشم منها على أعضائها يضاهي فيضان النور من السراج في زوايا البيت . فالحياة : مثالها النور الحاصل في الحيطان والروح مثاله السراج ، وسريان الروح وحركته في الباطن مثال حركة السراج في جوانب البيت بتحرك محركه فالأطباء إذا أطلقوا لفظ الروح أرادوا به هذا المعنى وهو بخار لطيف أنضجته حرارة القلب . والمعنى الثاني : هو اللطيفة العالمة المدركة من الإنسان الذي هو أحد معيني القلب وهو الذي أراده اللّه تعالى بقوله :
وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي
[ الإسراء : 85 ] وهو