تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مجموعة رسائل الإمام الغزالي — صفحة 112

مساهمون:

ص١١٢
الحجب فيريهم نور ذاته تعالى وصفاته عزّ وجلّ من وراء الحجاب ليعرفوه تعالى ، ولا يرفع الحجب بالكلية لكيلا يحترق الرائي . قال بعضهم بلسان الحال :
ولو أني ظهرت بلا حجاب * ليتّمت الخلائق أجمعينا
ولكنّ الحجاب لطيف معنى * به تحيا قلوب العاشقينا
اعلم : أن تجلي العظمة يوجب الخوف والهيبة ، وتجلي الحسن والجمال يوجب العشق ، وتجلي الصفات يوجب المحبة ، وتجلي الذات يوجب التوحيد قال بعض العارفين : واللّه ما نال رجل الدنيا إلا أعمى اللّه قلبه وبطل عليه عمله إن اللّه تعالى خلق الدنيا مظلمة ، وجعل الشمس فيها ضياء ، وجعل القلوب مظلمة ، وجعل المعرفة فيها ضياء ، فإذا جاءه السحاب ذهب نور الشمس ، فكذلك يجيء حب الدنيا فيذهب بنور المعرفة من القلب . وقيل : حقيقة المعرفة نور يطرح في قلب المؤمن وليس في الخزانة شيء أعز من المعرفة . وقال بعضهم : إن شمس قلب العارف أضوأ وأشرق من شمس النهار ، لأن شمس النهار قد تكسف وشمس القلوب لا كسوف لها وشمس النهار تغرب بالليل دون شمس القلوب ، وأنشدوا في ذلك :
إنّ شمس النّهار تغرب ليلا * غير شمس القلوب ليس تغيب
من أحبّ الحبيب طار إليه * اشتياقا إلى لقاء الحبيب
قال ذو النون : حقيقة المعرفة اطلاع الحق على الأسرار بمواصلة لطائف الأنوار ، وأنشدوا فيه :
للعارفين قلوب يعرفون بها * نور الإله بسر السر في الحجب
صمّ عن الخلق عمي عن مناظرهم * بكم عن النّطق في دعواه بالكذب
وسئل بعضهم : متى يعرف العبد أنه على تحقيق المعرفة ؟ فقال : إذا لم يجد في قلبه مكانا لغير ربه ، وقال بعضهم : حقيقة المعرفة مشاهدة الحق بلا واسطة ولا كيف ولا شبهة ، كما سئل أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي اللّه عنه فقيل : يا أمير المؤمنين أتعبد من ترى أو من لا ترى ؟ فقال : لا بل أعبد من أرى لا رؤية العيان ، ولكن رؤية القلب . وقيل لجعفر الصادق رضي اللّه عنه : هل رأيت اللّه عزّ وجلّ ؟ قال : لم أكن لأعبد ربا لم أره . قيل : وكيف رأيته وهو الذي لا تدركه الأبصار ؟ قال : لم تره الأبصار بمشاهدة العيان ، ولكن تراه القلوب بحقائق الإيمان ، لا يدرك بالحواس ولا يقاس بالناس . وسئل بعض العارفين عن حقيقة المعرفة . فقال : تخلية السر عن كل إرادة وترك ما عليه العادة وسكون القلب إلى اللّه تعالى بلا علاقة وترك الالتفات منه إلى ما سواه ، ولا يمكن معرفة كنه ذاته ولا معرفة كنه صفاته عزّ وجلّ ، ولا يعرف من هو إلا هو تبارك وتعالى والمجد للّه وحده .

فصل وأما البصيرة والمكاشفة والمشاهدة والمعاينة

فهي أسماء مترادفة على معنى واحد ، وإنما تحصل التفرقة في كمال الوضوح لا في أصله ، فمنزلة البصيرة من العقل منزلة نور العين من العين ، والمعرفة من البصيرة منزلة قرص الشمس