ذات اللّه تعالى أحمق ، يعني إن نظرنا إلى قضائه نتوهم أن العبد معذور فيما يفعل ، وإن نظرنا إلى الأمر والنهي وإلى اختيار العبد ربما يظن أن العبد مستبد بما يفعل ، بل الحق فيه أن يعتقد أن العبد غير مستغن عن اللّه تعالى في سائر أفعاله وأقواله ، وأحواله ، بل هو متقلب في مشيئته وأنه غير مجبور ولا مسخر كالحيوانات والجمادات ، بل هو موفق في ضمن أسباب السعادة ومخذول أو مطرود في ضمن أسباب الشقاوة .
فصل
لو قيل : إن كان للقدرة الحادثة أثر في المقدور فهو شرك خفي ، وإن لم يكن لها أثر فهو جبر . يقال : إنما يكون شركا إذا كان لها في التخليق أثر ، وإنما أثرها في الكسب واللّه تعالى ليس بكاسب حتى يكون شركا ولو لم يكن لها أثر في المقدور لزم أن يكون وجودها كعدمها فهو إذا قدير بلا قدرة وهو محال .
واعلم أن من ظن أن اللّه تعالى أنزل الكتب وأرسل الرسل وأمر ونهى ووعظ وتواعد لغير قادر مختار ، فهو مختل المزاج يحتاج إلى علاج ولسبب اختلاف الناس في الاستدلال بالقرآن قبل فهمه وقعوا في الجبر والقدر ، لأنهم لم يفرقوا بين قدرة الخالق القديمة وبين قدرة المخلوق الحادثة والفرق بينهما أن القدرة القديمة مستقلة بالخلق ولا مدخل لها في الكسب ، وأن القدرة الحادثة مستقلة بالكسب ولا مدخل لها في الخلق والظلم إنما ينسب إلى الحادثة ، وأما القديمة فمبرئة عنه لقوله تعالى :
إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئاً وَلكِنَّ النَّاسَ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ
[ يونس : 44 ]
فصل الفرق بين العلم والمعرفة
وأما المعرفة : فهي نفس القرب وهو ما أخذ القلب وأثر فيه أثرا يؤثر في الجوارح . فالعلم :
كرؤية النار مثلا . والمعرفة كالاصطلاء بها ، والمعرفة في اللغة : هو العلم الذي لا يقبل الشك وفي العرف اسم لعلم تقدمه نكرة ، وفي عبارة الصوفية المعرفة هو العلم الذي لا يقبل الشك إذا كان المعلوم ذات اللّه تعالى وصفاته . فإن قيل : ما معرفة الذات وما معرفة الصفات ؟ يقال : معرفة الذات أن يعلم أن اللّه تعالى موجود واحد فرد وذات وشيء عظيم قائم بنفسه ولا يشبهه شيء ، وأما معرفة الصفات : فأن تعرف أن اللّه تعالى حي عالم قادر سميع بصير إلى غير ذلك من الصفات . فإن قيل : ما سر المعرفة ؟ يقال : سرها وروحها التوحيد ، وذلك بأن تنزه حياته وعلمه وقدرته وإرادته وسمعه وبصره وكلامه عن التشبيه بصفات الخلق : ليس كمثله شيء .
فإن قيل : ما علامة المعرفة ؟ يقال : حياة القلب مع اللّه تعالى ، أوحى اللّه تعالى إلى داود عليه السلام أتدري ما معرفتي ؟ قال : لا . قال : حياة القلب في مشاهدتي .
فإن قيل : ففي أي مقام تصح المعرفة الحقيقية ؟ يقال : في مقام الرؤية والمشاهدة بسر القلب ، وإنما يرى ليعرف ، لأن المعرفة الحقيقية في باطن الإرادة فيرفع اللّه تعالى بعض