تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مجموعة رسائل الإمام الغزالي — صفحة 116

مساهمون:

ص١١٦
دفع المهلكات إلى جندين : باطن ، وهو الغضب ، الذي يدفع المهلكات وينتقم من الأعداء ، وظاهر وهي اليد والرجل والأسلحة التي بها تعمل بمقتضى الغضب ثم المحتاج إلى الغذاء إذا لم يعرف الغذاء ، لا تنفعه شهوة معرفة الغذاء وآلته فافتقر في المعرفة إلى جندين باطن : وهو إدراك السمع والبصر والشم والذوق واللمس ، وظاهر : وهو العين والأذن والأنف وغيرها وتفصيل الحاجة إليها ووجه الحكمة فيها يطول ولا تحويه مجلدات كثيرة ، فسبحان الكريم الحليم .

فصل

اعلم : أن القسمة ثلاثة : الجسم والعرض والجوهر الفرد . فالروح الحيواني جسم لطيف كأنه سراج مشعل ، والحياة هو السراج والدم دهنه والحس والحركة نوره ، والشهوة حرارته ، والغضب دخانه ، والقوة الطالبة للغذاء الساكنة في الكبد خادمه وحارسه ووكيله . وهذا الروح يوجد عند جميع الحيوانات ، لأنه مشترك بين البهائم وسائر الحيوانات والإنسان هو جسم وآثاره أعراض ، وهذا الروح لا يهتدي إلى العلم . ولا يعرف طريق المصنوع ولا حق الصانع ، وإنما هو خادم أسير يموت البدن لو يزيد دهن الدم وينطفئ لزيادة الحرارة ولو ينقص ينطفئ بزيادة البرودة ، وانطفاؤه سبب موت البدن وليس خطاب البارئ جلت عظمته وتكليف الشارع عليه الصّلاة والسّلام لهذا الروح ، لأن البهائم وسائر الحيوانات غير مكلفين ولا مخاطبين بأحكام الشرع ، والإنسان إنما يكلف ويخاطب لأجل معنى آخر وجد عنده زائدا خاصا وذلك المعنى هو النفس الناطقة والروح اللطيفة ، وهذا الروح ليس بجسم ولا عرض ، لأنه من أمر اللّه تعالى كما أخبر بقوله :
وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي
[ الإسراء : 85 ] . وأمر اللّه تعالى ليس بجسم ولا عرض ، بل هو جوهر ثابت دائم لا يقبل الفساد ولا يضمحل ولا يفنى ولا يموت ، بل يفارق البدن وينتظر العود إليه يوم القيامة كما ورد به الشرع ، وهذا الروح يتولد منه صلاح البدن وفساده والروح الحيواني وجميع القوى كلها من جنوده ، فإذا فارق الروح الحيواني البدن ، تعطل أحوال القوى الحيوانية فيسكن المتحرك ، فيقال لذلك السكون موت ، وإن كان الروح من أمر اللّه تعالى في البدن كالغريب ، فاعلم أنه لا يحل في محل ولا يسكن في مكان وليس البدن مكان الروح ولا محل القلب ، بل البدن آلة الروح واللّه أعلم .

فصل

في بيان المعنى المراد من قوله تعالى :
فَإِذا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ ساجِدِينَ
[ الحجر : 29 ] . قال رحمه اللّه تعالى ورضي عنه : أما التسوية : فهي عبارة عن فعل في المحل القابل للروح وهو الطين في حق آدم عليه السلام ، والنطفة في حق أولاده بالتصفية وتعديل المزاج والتردد في أطوار الخلقة إلى الغاية حتى ينتهي في الصفاء ومناسبة الأجزاء إلى الغاية فيستعد لقبول الروح وإمساكها كاستعداد
مجموعة رسائل الإمام الغزالي — صفحة 116 | الغزالي