تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مجموع كتب ورسائل الإمام القاسم بن إبراهيم الرسي — صفحة 631

مساهمون:

ص٦٣١
بسم اللّه الرّحمن الرّحيم اعلم يا أخي علمك اللّه الخير والهدى ، وجنبك جميع المكاره والردى ، أن اللّه خلق جميع عباده العقلاء المكلفين لعبادته ، كما قال عز وجل :
وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ( 56 ) ما أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَما أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ ( 57 )
[ الذاريات : 56 - 57 ] . والعبادة تنقسم على ثلاثة أوجه : أولها : معرفة اللّه . والثاني : معرفة ما يرضيه وما يسخطه . والوجه الثالث : اتباع ما يرضيه ، واجتناب ما يسخطه . وهذه الوجوه كلها فهي كمال العبادة ، وجميع العبادات غير خارجة منها ، فمعرفة اللّه عبادة كاملة لمن ضاق عليه الوقت . وهي منفصلة من العبادة الثانية ، لمن تراخت به الأيام إلى وصول التعبد ، وهو الأمر والنهي الذي فيه رضى المعبود وسخطه . ثم العمل بما يرضيه واجتناب ما يسخطه عبادة ثالثة منفصلة من الوجهين الأولين ، لمن تراخى به الوقت إلى استماع كيفية العبادة على لسان الرسول الذي جاءت الشريعة على يديه . فهذه ثلاث عبادات من ثلاث حجج ، احتج بها المعبود على العباد ، وهي : العقل ، والكتاب ، والرسول . فجاءت حجة العقل بمعرفة المعبود ، وجاءت حجة الكتاب بمعرفة التعبد ، وجاء الرسول بمعرفة العبادة . والعقل أصل الحجتين الآخرتين ، لأنهما عرفا به ولم يعرف بهما ، فافهم ذلك . ثم الإجماع من بعد ذلك حجة رابعة مشتملة على جميع الحجج الثلاث ، وعائدة إليها . ثم اعلم أن لكل حجة من هذه الحجج أصلا وفرعا ، والفرع مردود إلى أصله ، لأن الأصول محكمة على الفروع ، فأصل المعقول ما أجمع عليه العقلاء ولم يختلفوا فيه ، والفرع ما اختلفوا فيه ولم يجمعوا عليه . وإنما وقع الاختلاف في ذلك لاختلاف النظر ،