تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مجموع رسائل الإمام الهادي إلى الحق القويم يحيى بن الحسين بن قاسم بن إبراهيم — صفحة 411

مساهمون:

ص٤١١
للحركات ، الصانعين لتلك المصنوعات . كذلك اللّه سبحانه خلق الحجارة والطين ، والعباد بنوا الدور وشيدوا ما بنوا من القصور ، فاجتمعت في ذلك الحجارة والأكف العمالة ، والحركات التي دبرت لها الحجارات ، فكان اللّه جل ثناؤه خالق الأيدي والصخور ، والعباد أحدثوا الحركات وبنوا الدور . وأفعال اللّه سبحانه فكائنة عندما يريدها بلا تخيّل ، ولا حركات ، ولا تأليف شيء إلى شيء بالأكف العمالات . ففي هذا أبين الفرق بين أفعال المخلوقين وبين أفعال رب العالمين ، فما كان من فعل اللّه فليس من أفعال العباد ، وما كان من أفعال العباد ، فليس من أفعال ذي العزة والأياد . كذلك لو أن رجلا سرق صوفا فنسجه سربالا وثوبا ، لم يعذبه اللّه سبحانه على جرم الصوف ، ولا على ما قبضه به من اليد والكف ، وإنما يعذبه على أخذه وحوزه عن ربه ، واستئثاره عليه به ، وما كان من انتفاعه به ولبسه ، فعذبه سبحانه على ما كان من حركاته وفعله ، ولم يعذبه على ما خلق وصور من نفس المسروق وصورته . وكذلك يعذب الزاني على زناه ، والزنا هو : الإيلاج والحركة ، والإخراج ، ولم يكن الزنا إلا بالفرجين والحركة ، فالفرجان فعل اللّه ، والحركة والزنا فعل العبد ذي الفسالة والردى . فاللّه عز وجل يعذبه على زناه وإدخاله وإخراجه وحركاته ، لا على ما خلقه له من الفرج . فخلق اللّه الآلات وما أنعم به على العبد من الأدوات لينالوا به المنافع واللذات من طريق ما أحل لهم لا من وجه ما حرم عليهم ، ثم أمرهم في ذلك باجتناب المعصية وحضهم على فعل الطاعة . وأما ما سأل عنه وفيه قال بالمحال ، وقاس على مقاييس الضلال ، فقال : قال اللّه تبارك وتعالى :
أَ لَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُها ثابِتٌ وَفَرْعُها فِي السَّماءِ تُؤْتِي أُكُلَها كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّها وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ
، فقال : ألا ترون أن اللّه خلق الثمرة في الشجرة فأخرجها منها ؟ ثم نسب الثمرة إليها فقال :
تُؤْتِي أُكُلَها كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّها
؟ فكذلك نقول : إن أعمال العباد اللّه سبحانه خلقها ، والعباد عملوها ، ثم نسبها إليهم ، وأخبر أنهم عملوها . فقولنا في ذلك : إنه غالط في القياس ، أو أراد معنى فأخطأ في مقاله ؛ لأنه مثّل ما ليس بمأمور ولا منهي فقاس فعل العباد فيما أوجدوه بفعل اللّه الذي لم يفعلوه . وإنما قياس
مجموع رسائل الإمام الهادي إلى الحق القويم يحيى بن الحسين بن قاسم بن إبراهيم — صفحة 411 | الإمام يحيى بن الحسين