تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مجموع رسائل الإمام الهادي إلى الحق القويم يحيى بن الحسين بن قاسم بن إبراهيم — صفحة 381

مساهمون:

ص٣٨١
يستطيعون أن يكونوا على غير ما وصفهم اللّه به ؟ وأن يتركوا ما خلقهم له ؟ فإن قالوا : لا يستطيعون ؛ فقد أجابوا وصدقوا . وإن قالوا : نعم ، هم يستطيعون أن يكونوا على غير ما خلقهم ؛ فقد كذبوا وخالفوا . وإن زعموا أن اللّه جل ثناؤه إنما خلق أهل الإيمان للرحمة ، فنحن نقبل منكم ونصدقكم إن زعمتم أن اللّه جل ثناؤه خلق خلقا من خلقه خصهم بالرحمة ، فلا يستطيعون أن يكونوا على غير ما خلقهم ؛ لأنه قد استثنى لهم . تمت مسألته

جوابها :

وأما ما سأل عنه من قول اللّه سبحانه :
وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً واحِدَةً وَلا يَزالُونَ مُخْتَلِفِينَ إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذلِكَ خَلَقَهُمْ
فإنا نقول : إن معنى قوله :
وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً واحِدَةً
هو إخبار عن قدرته وإنفاذ ما شاء من إرادته . فأخبر سبحانه : أنه لو شاء أن يجعلهم أمة واحدة لجعلهم قسرا ، ولأدخلهم في طاعته جبرا ، ولكنه لم يرد قسرهم على ذلك ، ولم يرد أن يدخلهم في الطاعة كذلك ، للحكمة النيرة ، والحجة الباهرة ، ليثيب على عملهم المثابين ، ويعاقب على اجترامهم المعاقبين ، لا ما يقول به المبطلون ويذهب إليه الجاهلون من أنه لم يرد من العاصين الطاعة ، ولم يكره من الفجرة المعصية ، وأنه لو أراد ذلك منهم لفعلوه ، ولو شاء أن يعبدوه لعبدوه ، وقالوا على اللّه عز وجل الأقاويل الردية ، وضاهوا في ذلك قول الجاهلية حين قالوا :
لَوْ شاءَ الرَّحْمنُ ما عَبَدْناهُمْ
[ الزخرف : 20 ] ، وقال سبحانه يكذبهم فيما وهموا من أنه يريد عبادة أحد دونه ، أو أنه لا يشاء أن يعبدوه :
ما لَهُمْ بِذلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ أَمْ آتَيْناهُمْ كِتاباً مِنْ قَبْلِهِ فَهُمْ بِهِ مُسْتَمْسِكُونَ
[ الزخرف : 21 ] ، ثم أخبر بما به عبدوا من يعبدون ، ومن به في ذلك يقتدون ، فقال :
بَلْ قالُوا إِنَّا وَجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلى آثارِهِمْ مُهْتَدُونَ
[ الزخرف : 22 ] ، ثم أخبر نبيه صلى اللّه عليه وآله وسلم بقول من كان قبلهم ممن أهلك بمثل قولهم ، فقال :
وَكَذلِكَ ما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قالَ مُتْرَفُوها إِنَّا وَجَدْنا آباءَنا عَلى