تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مجموع رسائل الإمام الهادي إلى الحق القويم يحيى بن الحسين بن قاسم بن إبراهيم — صفحة 306

مساهمون:

ص٣٠٦
مقتدرون ، وفي ذلك - وللّه الحمد - مطلقون وله مطيقون ، ولو لم يعلم أنهم كذلك ، ولا أنهم يقدرون على شيء من ذلك لما نهاهم عنه ولا حذرهم منه ؛ لأن نهي الإنسان عن الطيران مستحيل في اللغة واللسان ، وعند كل من عرف البيان . ولقد فرق اللّه بين فعل عباده في ذلك وبين فعله ، وبين سبحانه لهم كل أمرهم من أمره ، فقال سبحانه :
وَجاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذلِكَ ما كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ
[ ق : 19 ] ، فأخبر أن سكرة الموت ، وورود ما ينتظر من الفوت من اللّه ، لا من الخلق ، فصدق اللّه ، إن الموت يأتي بالحق ، وينزل بما وعد من الصدق . فسمى ما كان منه حقا وحكما ، وما كان من عباده الظلمة عدوانا وظلما ، ولو كانا من اللّه شرعا سواء ، لذكر اللّه أنهما منه جميعا حقا . وقال جل جلاله :
وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ مُتُّمْ لَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ
[ آل عمران : 157 ] ، ففرق بين القتل والموت ، فكان القتل من عباده فعلا ، والموت منه - عز وجل - حتما . وقال :
وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنا لِوَلِيِّهِ سُلْطاناً فَلا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كانَ مَنْصُوراً
[ الإسراء : 33 ] ، فقال :
قُتِلَ مَظْلُوماً
، فأخبر بقوله مظلوما أن له قاتلا ظلوما عنيدا ،
وَما رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ
[ فصلت : 46 ] . فإن كان قتل بأجله فأين الظلم ممن قد استوفى كل أمله ، وفنيت حياته ، وجاءت وفاته ، وفنيت أرزاقه ، وانقضت أرفاقه ؟ فما يرى إذا ذو عقل للقاتل في مقتول فعلا ، ولا عليه تعديا ولا قتلا ، ولا جناية ولا ظلما . ولا يرى له حاكم عليه حكما أكثر من جرح إن كان جرحه ؛ أو وكز إن كان وكزه ؛ لأن قاتله ومفني أرزاقه ومبيد أيام حياته هو رب العالمين في قول الجاهلين . ولو كان ذلك كذلك لنجا القاتل من المهالك ، ولم يكن على من جرح إنسانا متعمدا « 262 » جرحا فقتله أكثر من أن يجرح جرحا مثله ويخلى ، فإن مات منه مضى ، وإن برأ منه فقد سلم ونجا . وكذلك قال اللّه :
وَالْجُرُوحَ قِصاصٌ
[ المائدة : 45 ] ، فما معنى قوله :
النَّفْسَ
هامش
( 262 ) في ( ب ) : متعديا .