تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مجموع رسائل الإمام الهادي إلى الحق القويم يحيى بن الحسين بن قاسم بن إبراهيم — صفحة 292

مساهمون:

ص٢٩٢
مبلغين ، ومرسلين مبشرين ومنذرين ، ففعل اللّه بهم كذلك ، وبعث إليهم الرسل بذلك ، رحمة منه سبحانه لهم ، وعائدة منه بفضله عليهم . وأما المعنى الثالث : فهو ما أدرك وعلم بالتجربة مما لم يكن ليدرك أبدا إلا بها ، ولا يصح لطالب إلا منها ، من ذلك ما أدركه المتطببون من علم ما يضر وما ينفع ، وما يهيج وما يقمع ، وما يقتل من السموم وما يردع السم عن المسموم ، وما يفسد العصب ، وما يجتلب بأكله العطب ، وغير ذلك مما يطول ذكره ، ويعظم لو شرحناه أمره ، مما لا يدرك أبدا إلا بالتجربة أولا . فمن هذه الثلاثة المعاني تصح المعارف كلها للعارفين ، ويثبت الفهم للمتفهمين ، وقد يجهل ذلك كله من شاء أن يجهله ، كما يعرفه من شاء أن يعرفه بأهون الأمر ، وألطف الخبر . فأما التجربة فيجهلها من لم يجرب الأشياء . وأما الفهم والتمييز بالعقل فقد يبطله شارب الخمر بشربه الخمرة فيزيل بذلك ما ركب فيه من لبه ، ومن ذلك رقاد الراقد ، إذا رقد لم يعلم ممن يدخل إليه أو يخرج عنه بأحد ، والتبس عليه الليل والنهار ، وعميت عنه بكليتها الأخبار ، حتى ربما استرقد ليلا فلا يعلم حتى يهجم عليه النهار ، وربما رقد نهارا فلا يعلم حتى يهجم عليه الظلام ، ويزول الإبصار . فكيف يقول أن أحدا لا يقدر على جهل ما علم ولا علم ما جهل لسبب يعلم ولا بحيلة تفهم ؟ ألا ترى أن السكران يعلم في حال سلامة عقله بما يشينه وينقصه ويفضحه من عمله ، حتى لو أعطى من يدعي المروءة منهم ورشى جزاء من الرشاء « 242 » عظيما ، حين سلامة لبه ، على أن يكشف له ثوبا أو يبدي من نفسه عيوبا لم يكن ليفعل ، وإذا شرب وسكر لم يعلم له بسواية ، وجاءت وطهرت منه في نفسه ، ولها الفضيحة والنكاية ، فهل ذلك إلا من جهله بما كان يعلم ؟ وقلة معرفته في تلك الحال بما كان يعمل ؟ أو ما رأى من علم علما وروى رواية وحكما من علماء وحكماء ، بل من أحكم القرآن وتلا عن ظهر
هامش
( 242 ) في ( ب ) : الدنيا .