تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مجموع رسائل الإمام الهادي إلى الحق القويم يحيى بن الحسين بن قاسم بن إبراهيم — صفحة 244

مساهمون:

ص٢٤٤
شقائهم وسعادتهم في ذلك اليوم ، لا في الدنيا ، ألا ترى كيف يقول :
ذلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ
[ هود : 103 ] ، يعني يوم القيامة ، ولو كان الأمر على ما ظنوا لكانت المخاطبة عند أهل اللسان والمعرفة على غير هذا اللفظ ، وكان اسم الشقاء والسعادة قد انتظمهم قبل ذلك اليوم ، وكانوا مستغنين عن إرسال الرسل إليهم ، وإنزال الكتب عليهم ، ولم يكن للّه سبحانه عليهم حجة إذ كان المشقى لبعض والمسعد لبعض ، والمدخل لأهل الشقاء في المعصية ، ولأهل السعادة في الطاعة . هذا أقبح ما نسب إلى اللّه وقيل به فيه ، فنعوذ باللّه من الضلالة والعمى ، ونسأله الرشد والهدى . ومما يحتجون به أيضا ، قول اللّه سبحانه :
وَلَوْ شِئْنا لَآتَيْنا كُلَّ نَفْسٍ هُداها وَلكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ
[ السجدة : 13 ] ، يقول : بفعلهم وعملهم حق عليهم قولي وثبتت عليهم حجتي ووقع بهم العذاب ؛ لأن قولي وحكمي بالعذاب قد سبق مني على من عصاني ، ثم قال :
فَذُوقُوا بِما نَسِيتُمْ لِقاءَ يَوْمِكُمْ هذا إِنَّا نَسِيناكُمْ وَذُوقُوا عَذابَ الْخُلْدِ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ
[ السجدة : 14 ] ، فصدق اللّه عز وجل ، لو شاء أن يهديهم جميعا من جهة الجبر لهم لفعله ولم يغلبه ذلك ، ولكن لم يشأه سبحانه إلا بالتخيير والاختيار ؛ لأنه لو جبرهم على ذلك وأدخلهم فيه غصبا كان المستوجب للثواب دونهم . ألا ترى إلى قوله في آخر الآية متبرئا من فعلهم :
وَذُوقُوا عَذابَ الْخُلْدِ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ
، ولم يقل : بمشيئتي لكم ، ولا : بقضائي عليكم ، ولا بإرادتي فيكم ، ولا : بإدخالي لكم في القبيح من الفعل . فافهم ، وفقك اللّه ، ما شرحت لك . والنسيان من اللّه ، هو : الترك لهم والإمهال ، تقول العرب : نسيت الشيء ونسأته أي : تركته ولم أفعله . ومما يحتجون به أيضا قول اللّه سبحانه :
وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً أَ فَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ
[ يونس : 99 ] ، فصدق اللّه ، لو شاء ذلك لأمكنه أن يكرههم على الإيمان إن شاءوا أو أبوا ، ولم يكن ذلك بغالب له ، ولا ما هو أعظم منه ؛ إذ كان ذلك معجزا وغالبا لمحمد صلى اللّه عليه وآله وسلم ، لا يقدر على ذلك منهم ، ولا يمكنه فيهم ، فأخبر اللّه سبحانه أن ما لا تقدر عليه لو أراده هو من جهة الجبر والإكراه ، لأمكنه ، ولكنه لم يرده إلا من جهة التخيير منهم والاختيار والرغبة لما استوجبوا