تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مجموع رسائل الإمام الهادي إلى الحق القويم يحيى بن الحسين بن قاسم بن إبراهيم — صفحة 246

مساهمون:

ص٢٤٦
33 ، 34 ] ، يقول لهم صلى اللّه عليه : إن جدالي ونصحي لا ينفعكم إذا جاءكم عذاب ربكم ونزل بكم ؛ لأنه لا يرد عذاب اللّه سبحانه إذا نزل بقوم ، وهي سنته في الذين خلوا ، لا يقبل توبتهم إذا نزل العذاب بهم . وكذلك إذا أراد اللّه أن يغويكم ؛ فالإغواء من اللّه العذاب ، فيقول : لا ينفعكم نصحي إذا نزل بكم إغواء اللّه وهو عذابه ، كما قال عز وجل في موضع آخر :
فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَواتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا
[ مريم : 59 ] . ولم يرد نوح عليه السلام بالإغواء ما تأوله الجاهلون من الضلال لهم وإمدادهم بالغي والتمادي والكفر ، وإنما أراد بالإغواء العذاب النازل - ثم كذلك الإغواء في جميع ألسن العرب : لقيت غيا ، أي عذابا وبغيا ، ولقي فلان غيا - كل هذا تحذير لهم لنزول العذاب بهم ، وأنه لا تنفعهم نصيحة إذا نزل العذاب بهم ، لم يصرف عنهم ، كذلك قال اللّه سبحانه :
فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنا سُنَّتَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبادِهِ وَخَسِرَ هُنالِكَ الْكافِرُونَ
[ غافر : 85 ] . وكثير مثل ما ذكرنا في القرآن مما احتجوا به وتأولوه على غير ما أنزل اللّه ، وفي فساد ما أفسدنا عليهم من تأويلهم فيما ذكرنا واحتججنا عليهم به ما يغني عن كثير من حججهم وقبيح تأويلهم وباطل قولهم .

ما يستدل به أهل العدل على أهل الجبر

وقد قال اللّه سبحانه محتجا على من نسب مثل ما نسبوا إليه في كثير من القرآن ، وفي مواضع هي أكثر مما احتجوا به وتأولوه ، فقال سبحانه :
إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ وَإِيتاءِ ذِي الْقُرْبى وَيَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ
[ النحل : 90 ] . وقال عز ذكره مكذبا للمشركين ولمن قال بقولهم ، ومحتجا عليهم ومخبرا بإفكهم وعوارهم :
وَإِذا فَعَلُوا فاحِشَةً قالُوا وَجَدْنا عَلَيْها آباءَنا وَاللَّهُ أَمَرَنا بِها قُلْ إِنَّ اللَّهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشاءِ أَ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ
[ الأعراف : 28 ] . ثم قال عز ذكره :
وَما كانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْماً بَعْدَ إِذْ هَداهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ ما يَتَّقُونَ
[ التوبة : 115 ] ، ينفي عن نفسه عز وجل ما أسندوا إليه من خلقهم شقيا وسعيدا ، ومن أن يضلهم بعد أن كان منه من الابتداء لهم بالإحسان والدعاء ، والدلالة على الهدى ،