تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المبدأ والمعاد — صفحة 81

مساهمون:

ص٨١
وامّا صور قوامها بذاتها لا بموادّ الأجسام ، كالأنفس . ثمّ كلّ نفس فانّما جعلت خاصّة بجسم ، بسبب أنّ فعلها بذلك الجسم وفيه ، ولو كانت مفارقة الذات والفعل جميعا لذلك الجسم لكانت نفس كلّ شئ ، لا نفس ذلك الجسم . فقد بان على الوجوه كلّها أنّ القوى السماويّة لا تفعل إلّا بواسطة جسمها ، ومحال أن تفعل بواسطة الجسم نفسا ، لأنّ الجسم لا يكون متوسطا بين نفس ونفس . فان كانت تفعل نفسا بغير توسّط الجسم فلها انفراد قوام من دون الجسم واختصاص بفعل مفارق لذاتها ولذات الجسم . وهذا غير الأمر الذي نحن في ذكره ، فإن لم تفعل نفسا لم تفعل جرما سماويّا ، لأنّ النفس متقدّمة على الجسم في المرتبة والكمال ، فان وضع لكلّ فلك شئ - يصدر عنه في فلكه شئ وأثر ، من غير أن يستغرق ذاته في شغل ذلك الجرم به ، ولكن ذاته مباينة في القوام وفي الفعل لذلك الجسم - فنحن لا نمنع هذا . وهذا هو الذي نسميه « العقل المجرّد » ونجعل صدور ما بعده عنه . ولكن هذا غير المنفعل عن الجسم والمشارك إيّاه والصائر صورة خاصّة به . فقد بان ووضح أنّ للأفلاك مبادى غير جرمانيّة ولا صور للأجسام ، وأنّ كلّ فلك يختصّ بمبدإ منها ، والجميع تشترك في مبدأ واحد . وعلى هذا المعنى قياسات كثيرة وبراهين ، لكنّا إنّما نختار في هذا الكتاب من الحجج ما لا يحوجنا إلى استعمال مقدّمات كثيرة وتحليل طويل ، بل يكون أقرب إلى الأفهام . وقد يبيّن هذا فيقال : إنّه ممّا لا يشك فيه أنّ هاهنا عقولا بسيطة ومفارقة تحدث في أبدان الناس . وقد بين لك في العلوم الطبيعيّة وسنبيّنها نحن بعد عن قريب ، وليست بعلل أولى ، لأنّها كثيرة ، مع وحدة النوع ولأنّها حادثة كما تبيّن هناك . وليست أيضا بمعلولات قريبة لهذا المعنى . وذلك أنّ الكثرة في عدد المعلولات القريبة محال ، فهي إذن معلومات الأول بتوسّط . ولا يجوز أن تكون العلل الفاعليّة المتوسّطة بين الأولى وبينها ، دونها
المبدأ والمعاد — صفحة 81 | أبو علي سينا