السعادة المشتركة . فعرّفت من الأمور النظرية ما لا بد لجميع الناس من معرفته ، وهي معرفة اللّه تبارك وتعالى ومعرفة الملائكة ومعرفة الموجودات الشريفة ومعرفة السعادة .
وكذلك عرّفت من الأعمال القدر الذي تكون به النفوس فاضلة بالفضائل العملية .
وبخاصة شريعتنا هذه ، فإنه إذا قويست بسائر الشرائع وجد أنها الشريعة الكاملة بإطلاق . ولذلك كانت خاتمة الشرائع .
[ 348 ] ولما كان الوحي قد أنذر في الشرائع كلها بأن النفس باقية ، وقامت البراهين عند العلماء على ذلك ، وكانت النفوس يلحقها بعد الموت أن تتعرى من الشهوات الجسمانية ، فإن كانت زكية تضاعف زكاؤها بتعريها من الشهوات الجسمانية ، وإن كانت خبيثة زادتها المفارقة ( - للبدن ) خبثا لأنها تتأذى بالرذائل التي اكتسبت ، وتشتد حسرتها على ما فاتها من التزكية عند مفارقتها البدن ، لأنها ليست يمكنها الاكتساب إلا مع هذا البدن ، وإلى هذا المقام الإشارة بقوله :
« أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يا حَسْرَتى عَلى ما فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ »
( الزمر 56 ) ، اتفقت الشرائع ( - جواب : ولما كان ) على تعريف هذه الحال للناس ( 71 / و ) وسموها السعادة الأخيرة والشقاء الأخير .
[ 349 ] ولما كانت هذه الحال ليس لها في الشاهد مثال ، وكان مقدار ما يدرك بالوحي منها يختلف في حق نبي نبي لتفاوتهم في هذا المعنى ، أعني في الوحي ، اختلفت الشرائع في تمثيل الأحوال التي تكون لأنفس السعداء بعد الموت ولأنفس الأشقياء .
[ 350 ] فمنها ما لم يمثّل ما يكون هنالك للنفوس الزكية من اللذة ، وللشقية من الأذى ، بأمور شاهدة ( - من الشاهد : المشاهد في الدنيا ) ، وصرحوا بأن ذلك كله أحوال روحانية ، ولذات ملكية . ( - ملائكية ) .
[ 351 ] ومنها ما اعتدّ في تمثيلها بالأمور المشاهدة ، أعني أنها مثّلت اللذات المدركة هنالك باللذات المدركة هاهنا ، بعد أن نفي عنها ما يقترن بها من الأذى ، ومثلوا الأذى الذي يكون هنالك بالأذى الذي يكون هاهنا ، بعد أن نفوا عنه هنالك ما يقترن به هاهنا من الراحة منه : إما لأن أصحاب هذه الشرائع أدركوا من هذه الأحوال بالوحي ما لم يدركها أولئك الذين مثلوا بالوجود الروحاني ، وإما أنهم رأوا أن التمثيل