الذي لا يقدر على الممكن فهو عاجز . ولما كان وجود جميع الموجودات بريئة من الشر ممكنا في ظن الجمهور ، قال :
« وَلَوْ شِئْنا لَآتَيْنا كُلَّ نَفْسٍ هُداها وَلكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ »
( السجدة 13 ) .
[ 339 ] فالجمهور يفهمون من هذا معنى ، والخواص معنى . وهو أنه ليس يجب عليه سبحانه أن يخلق خلقا يقترن بوجودهم شر . فمعنى قوله :
« وَلَوْ شِئْنا لَآتَيْنا كُلَّ نَفْسٍ هُداها »
، أي لو شئنا لخلقنا خلقا ليس يقترن بوجودهم شر ، بل الخلق الذين هم خير محض . فتكون كل نفس قد أوتيت هداها .
وهذا القدر في هذه المسألة كاف ، فلنسر إلى المسألة الخامسة ، وهي القول في المعاد وأحواله .
[ 10 - في المعاد وأحواله ]
[ 340 ] والمعاد مما اتفقت على وجوده الشرائع ، وقامت عليه البراهين عند العلماء « 60 » وإنما اختلفت الشرائع في صفة وجوده . ولم تختلف في الحقيقة في صفة وجوده وإنما اختلفت في الشاهدات « 61 » ( 70 / و ) التي مثّلت بها للجمهور تلك الحال الغائبة .
[ 341 ] وذلك أن من الشرائع من جعله روحانيا ، أعني : للنفوس . ومنها من جعله للأجسام والنفوس معا . والاتفاق في هذه المسألة مبني على اتفاق الوحي في ذلك ، واتفاق قيام البراهين الضرورية عند الجميع على ذلك .
[ 342 ] أعني : أنه قد اتفق الكل على أن للإنسان سعادتين : أخراوية ودنياوية . وانبنى ذلك عند الجميع على أصول يعترف بها عند الكل . منها أن الإنسان أشرف من كثير من الموجودات . ومنها أنه إذا كان كل موجود يظهر من أمره أنه لم يخلق عبثا ، وأنه إنما خلق لفعل مطلوب منه ، وهو ثمرة وجوده ، فالإنسان أحرى بذلك .
هامش
( 60 ) يقصد الفلاسفة . فقد شغلوا بمسألة وجود النفس مستقلة عن البدن ، منذ اليونان إلى العصر الحديث .
( 61 ) جمع : شاهد . مقابل غائب : يعني اختلفت الشرائع في طريقة تمثيل ما يجري في الآخرة من أحوال . . .