[ 343 ] وقد نبه اللّه تعالى على وجود هذا المعنى في جميع الموجودات في الكتاب العزيز فقال تعالى :
« وَما خَلَقْنَا السَّماءَ
« 81 »
وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما باطِلًا ، ذلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا ، فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ »
( ص 27 ) . وقال مثنيا على العلماء المعترفين بالغاية المطلوبة من هذا الوجود :
« الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِياماً وَقُعُوداً وَعَلى جُنُوبِهِمْ ، وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنا ما خَلَقْتَ هذا باطِلًا سُبْحانَكَ فَقِنا عَذابَ النَّارِ »
( آل عمران 191 ) .
[ 344 ] ووجود الغاية في الإنسان أظهر منها في جميع الموجودات . وقد نبه اللّه سبحانه عليها في غير ما آية من كتابه فقال « 82 » :
« أَ فَحَسِبْتُمْ أَنَّما خَلَقْناكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنا لا تُرْجَعُونَ »
( المؤمنون 115 ) . وقال :
« أَ يَحْسَبُ الْإِنْسانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدىً »
( القيامة 36 ) . وقال :
« وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ »
( الذاريات 56 ) ، يعني الجنس من الموجودات الذي يعرفه . وقال منبها على ظهور وجوب العبادة من قبل المعرفة بالخالق :
« وَما لِيَ لا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ »
( يس 22 ) .
[ 345 ] وإذا ظهر أن الإنسان خلق من أجل أفعال مقصودة به ، ظهر أيضا أن هذه الأفعال يجب أن تكون خاصة ، لأنا نرى أن واحدا واحدا من الموجودات إنما خلق من أجل الفعل الذي يوجد فيه لا في غيره ، أعني الخاص به . وإذا كان ذلك كذلك فيجب أن ( 70 / ظ ) تكون غاية الإنسان في أفعاله التي تخصه دون سائر الحيوان . وهذه أفعال النفس الناطقة .
[ 346 ] ولما كانت النفس الناطقة جزءين : جزء عملي وجزء علمي ، وجب أن يكون المطلوب الأول منه هو أن يوجد على كماله في هاتين القوتين . أعني الفضائل العملية والفضائل النظرية . وأن تكون الأفعال التي تكسب النفس هاتين الفضيلتين هي الخيرات والحسنات ، والتي تعوقها هي الشرور والسيئات .
[ 347 ] ولما كان تقرير هذه الأفعال أكثر ذلك بالوحي ، وردت الشرائع بتقريرها ، ووردت مع ذلك بتعريفها والحث عليها . فأمرت بالفضائل ، ونهت عن الرذائل ، وعرّفت بالمقدار الذي فيه سعادة جميع الناس في العلم والعمل ، أعني
هامش
( 81 ) . جاء في جميع النسخ " السماوات " ، وهو تصحيف للفظ الآية ( 38 / 27 ) .
( 82 ) ت . مل 1 . سقط " فقال " .