[ 223 ] وذلك أن اللّه تبارك وتعالى أوجد موجودات بأسباب سخرها لها من خارج ، وهي الأجسام السماوية ، وبأسباب أوجدها في ذوات تلك الموجودات وهي النفوس والقوى الطبيعية ، حتى انحفظ بذلك وجود الموجودات ، وتمت الحكمة . فمن أظلم ممن أبطل الحكمة وافترى على اللّه الكذب .
[ 224 ] فهذا مقدار ما عرض من التغيير في هذه الشريعة في هذا المعنى وفي غيره من المعاني التي بيناها قبل ، ونبينها فيما يأتي إن شاء اللّه تعالى . فقد تبين من هذا أن الطرق الشرعية التي نصبها اللّه لعباده ليعرفوا منها ( 55 / و ) أن العالم مخلوق له ومصنوع ، هي ما يظهر فيه من الحكمة والعناية بجميع الموجودات التي فيه ، وبخاصة بالإنسان .
وهي طريقة نسبتها في الظهور إلى العقل « 81 » نسبة الشمس في الظهور إلى الحس .
[ 225 ] وأما الطريق التي سلك بالجمهور في تصور هذا المعنى فهو التمثيل بالشاهد ، وإن كان ليس له مثال في الشاهد . إذ ليس يمكن في الجمهور أن يتصوروا على كنهه « 82 » ما ليس له مثال في الشاهد . فأخبر تعالى أن العالم وقع خلقه إياه في زمان ، وأنه خلقه من شيء ، إذ كان لا يعرف في الشاهد مكوّن إلا بهذه الصفة ، فقال سبحانه مخبرا عن حاله تعالى قبل كون العالم :
« وَكانَ عَرْشُهُ عَلَى الْماءِ »
( هود 7 ) ، وقال تعالى :
« إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ » *
( الأعراف 54 ) ، وقال :
« ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ وَهِيَ دُخانٌ »
( فصلت 11 ) ، إلى سائر الآيات التي في الكتاب العزيز في هذا المعنى . فيجب أن لا يتأوّل شيء من هذا للجمهور ، ولا يعرض لتنزيله على غير هذا التمثيل ، فإنه من غيّر ذلك فقد أبطل الحكمة الشرعية .
[ 5 - استعمال لفظ الحدوث والقدم بدعة في الشرع ]
[ 226 ] فأما أن يقال لهم ( - للجمهور ) إن عقيدة الشرع في العالم هي أنه محدث ، وأنه خلق من غير شيء ، وفي غير زمان ، فذلك شيء لا يمكن أن يتصوره العلماء فضلا عن الجمهور . فينبغي كما قلنا ألا يعدل في الشرع عن التصور الذي
هامش
( 81 ) . ت : " الفعل "
( 82 ) . س : هكذا ثبت في المتن : " كنهه " ، وجاء في هامشه : " لعله على كنه ما " . قا : " كهنه " .