يدخل عليهم القول بأن هاهنا أسبابا فاعلة غير اللّه . وهيهات ! لا فاعل هاهنا إلا اللّه : إذ كان مخترع الأسباب ! وكونها أسبابا مؤثرة ، هو بإذنه وحفظه لوجودها .
وسنبين هذا المعنى بيانا أكثر في مسألة القضاء والقدر .
[ 220 ] وأيضا فإنهم خافوا أن يدخل عليهم ، من القول بالأسباب الطبيعية ، أن يكون العالم صادرا عن سبب طبيعي . ولو علموا أن الطبيعة مصنوعة ، وأنه لا شيء أدل على الصانع من وجود موجود بهذه الصفة في الإحكام ، لعلموا أن القائل بنفي الطبيعة قد أسقط جزءا عظيما من موجودات الاستدلال على وجود الصانع العالم ، بجحده جزءا من موجودات اللّه . ذلك أن من جحد جنسا من المخلوقات الموجودة ، فقد جحد فعلا من أفعال الخالق سبحانه . ويقرب هذا ممن ( 54 / ظ ) جحد صفة من صفاته .
[ 221 ] وبالجملة ، فلما كان نظر هؤلاء القوم مأخوذا من بادئ الرأي ، وهي « 81 » الظنون التي تخطر للإنسان من أول نظرة ، وكان يظهر في بادئ الرأي أن اسم الإرادة إنما يطلق « 82 » على من يقدر أن يفعل الشيء وضده ، رأوا أنهم إن لم يضعوا أن الموجودات جائزة ، لم يقدروا أن يقولوا بوجود فاعل مريد . فقالوا : إن الموجودات كلها جائزة ، ليثبتوا من ذلك أن المبدأ الفاعل مريد . كأنهم لم يروا الترتيب الذي في الأمور الصناعية ضروريا ، وهو مع ذلك صادر عن فاعل مريد ، وهو الصانع .
[ 222 ] وهؤلاء القوم غفلوا عما يدخل عليهم من هذا القول من نفي الحكمة عن الصانع ، أو دخول السبب الاتفاقي في الموجودات : فإن الأشياء التي تفعلها الإرادة ، لا « 83 » لمكان شيء من الأشياء ، أعني [ لا ] لمكان غاية من الغايات ، هي عبث « 84 » ومنسوبة إلى « 85 » الاتفاق . ولو علموا ، كما قلنا ، أنه يجب من جهة النظام الموجود في أفعال الطبيعة أن تكون موجودة عن صانع عالم ، وإلا كان النظام فيها بالاتفاق ، لما احتاجوا أن ينكروا « 86 » أفعال الطبيعة ، فينكرون جندا من جند اللّه تعالى التي سخرها اللّه تعالى لإيجاد كثير من موجوداته « 87 » بإذنه ولحفظها .
هامش
( 81 ) . ت . مل 1 : " وهو " "
( 82 ) . س : " ينطلق "
( 83 ) . ت ، سقط " لا "
( 84 ) . ت ، " هم "
( 85 ) . س ، ت ، مل 1 . " إليها " قا : " إلى " .
( 86 ) . ت . " يذكروا " .
( 87 ) ت . مل 1 : " موجودات " مل 2 : راجعه فصححه : موجودات .