ويقول محقق الكتاب على هذا بقوله : ويظهر في هذا النص بوضوح صحة ما أدعيه في هذه الدراسة من أن تقى الدين ( النجراني مؤلف الكتاب ) قد اتجه بالاعتزال وجهة السلف الصالح التي لم تخضع كل شيء للعقل ، بل تأخذ بظاهر النص الشرعي ، بل بما يروى عن الصحابة من أمور خارقة للعادة .
والكتاب بهذا يعتبر رسالة « تقريب بين المعتزلة وبين أهل السنة جديرة بالدرس والمتابعة .
وفي تقديرى أن المتخصصين في دراسة الفكر المعتزلي - ومن بينهم محقق هذا الكتاب أن يتابعوا ما بدأه تقى الدين النجراني في كتابه هذا في اقترابه من أهل السنة ليروا ونرى معهم هل تحوّل عمل « النجراني » إلى اتجاه تواصل معه التقارب بين الاعتزاليين وبين أهل السنة ؟ أم كان عمل « النجراني » مجرد ومضة وانطفأت بعد « النجراني وكتابه ؟
فالكشف عن ذلك يشكل مددا وظهيرا لدعاة التقريب بين مذاهب الأمة وطوائفها ، وإذا كان « النجراني » قد صنع اقترابا مع أهل السنة والاعتزال فالحاجة ماسة وقائمة إلى متابعة ما قام به دعاة التقريب بين الشيعة والسنة في محاولة منشودة وهامة لرأب الصدوع التي أحدثها في جسد المسلمين والإسلام تعصب أصحاب كل اتجاه لآرائهم وإن كان الثمن الفادح هو تمزق المسلمين وافتراق كلمتهم وذهاب شوكتهم ! !
وعلى طريقة « النجراني » في محاورته لمخالفيه « بالفناقل » أقول : « فإن قيل » إن « الاعتزال قد غابت شمسه وذهبت ريحه ، على غير ما عليه الحال اليوم في الخلاف بين الشيعة وأهل السنة حيث لكل دولة وسلطان .
قلنا : إن الفكر لا يموت وخاصة ما يتصل منه بالدين والمعتقد وإذا كان التشيع قد رسخت أقدامه لأن له دولة تقوم عليه فإن الفكر الاعتزالى يمكن أن تخرجه من ظلام التاريخ تلك القوى المعادية لوحدة الإسلام والمسلمين والتي تنبش قبور الماضي تبحث فيها عن أي خلاف أو شبهة تضرب بها وحدة الأمة وتشعل بين أبنائها نيران الفتنة . على نحو ما يجرى الآن في بعث فكر الخوارج وأهل الفرق الضالة من المتشددين والمتنطعين وشذاذ الفكر تصنع بها في جدار الوحدة شروخا وتصدعات .
ومن ثمّ يكون الاحتفاء باتجاه التقارب بين الاعتزاليين وأهل السنة والّذي صنعه ومارسه « النجراني » صاحب هذا الكتاب . . يكون الاحتفاء به وتنميته والدعوة إليه مطلوبا وضرورة في زماننا الّذي لن يستعيد فيه المسلمون وحدتهم في الغايات وفي الوسائل في السياسة والاقتصاد وغيرها إلا إذا تمكنا من رأب كل صدوع الفكر بين الشيعة والسنة وبين أهل السنة والاعتزاليين ، وتلك غاية تهون دونها كل المصاعب والجهود .
هذا عن كتاب « الكامل في الاستقصاء » لتقىّ الدين النجراني يحرص المجلس على نشره - لأول مرة - في طبعة محققة تبرز أهمية الكتاب ومكانته في الفكر الاعتزالى - كما أشرنا .
وأما عن التحقيق والجهد الكبير والشاق الّذي بذله فيه محققه الدكتور السيد الشاهد فالحق أقول : لقد كان جادا الجدّ كله معنّيا نفسه في استقصاء ما يدور حول كل نقطة
الكامل في الاستقصاء فيما بلغنا من كلام القدماء — صفحة مقدمة 3
مساهمون: مختار بن محمود العجالي ( تقي الدين النجراني )
صمقدمة ٣