ثم أورد ما يعتمد من الاعتراض عليها على ذلك الترتيب حتى يكون من حصل من هذه المسائل في الإحاطة بدقائق تفاصيلها كمن حصل الكتب المصنفة في هذا الفن ، بل فوقه .
ولذلك سميته « الكامل في الاستقصاء فيما بلغنا من كلام القدماء » .
ونحن بهذا أمام منهج فكرى حدد فيه صاحبه طريقة تناوله للمسائل والقضايا التي تختلف رؤيته مع رؤية مخالفيه في « ست عشرة مسألة . وقع الخلاف - في بعضها - في حكم المسألة وفي بعضها الآخر لم يكن الخلاف في الحكم ولكن في طريقة إثبات الحكم ، فيكون منهجه فيها .
أولا : إثبات صواب طريقته هو ، وثانيا : تزييف طريقة مخالفيه .
وأبواب الكتاب جميعها من أبواب علم الكلام الّذي اشتد الخلاف فيه بين المعتزلة والأشاعرة وخاصة في موضوع « الصفات » وغيرها مما كان له ذات يوم أثر خطير في حال الأمة المسلمة وتعرض علمائها بسبب الاختلاف في الرأي إلى مثل محنة خلق القرآن .
والكتاب الّذي بين أيدينا يشكل اتجاها جديدا في الاعتزال لأنه كما يقول المحقق في المقدمة « 1 » يحمل معالم واضحة لاعتزال جديد ظل محتفظا بمنهجه العرفي وهويته الاعتزالية في الأصول الخمسة المعروفة ( عند المعتزلة ) .
ومن خصائص هذا الاعتزال الجديد الاعتراف الصريح بعجز العقل الإنسانى عن الوصول إلى الحل النهائي في كثير من مسائل علم الكلام وضرورة التوقف عن الحكم فيها والرجوع إلى النصوص الشرعية في المسائل التي يصل العقل فيها إلى طريق مسدود .
ودليل ذلك هو الاقتراب من الأشعرية ، بل الانتصار لمذهب السلف .
ويقول المحقق « 2 » : ولأول مرة نجد في مؤلف اعتزالى ميلا واضحا لمواقف السلف الصالح الذين هم الصحابة والتابعون كما يؤيد السلف الصالح في ذمهم للكلام والمتكلمين عندما يخرجون من المحاورة إلى اللجاج والخصومة فيقول « النجراني » :
فإذا انتهى الكلام في الوضوح إلى هذه الغاية وكان الخصم ( أي من المتكلمين ) يزيد سفاهة ولجاجا فعلى العاقل الفطن الإعراض عنه وتذكر قوله تعالى :
وَإِذا خاطَبَهُمُ الْجاهِلُونَ قالُوا سَلاماً
« 3 »
ويزيد في وضوح هذا الاتجاه النجراني استخدام عبارات التكريم في مدح أهل السنة بمثل قوله فهم « السلف الصالح » أو استخدام عبارة « رضي الله عنهم » كقوله عن عمر بن الخطاب : أليس قد روى عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه رؤى وهو بالمدينة وسارية على مسيرة شهرين حتى قال يا سارية : الجبل الجبل ، وروى عنه وعن غيره من أكابر الصحابة أمور عظيمة وقف عليها من تتبع الأحاديث .
هامش
( 1 ) ص : 47
( 2 ) ص : 48
( 3 ) الفرقان : 63