تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفكر الخالد في بيان العقائد — صفحة 415

مساهمون:

ص٤١٥
ولكن لا بدّ من النظر إلى هذه المسألة البالغة الحساسية نظرة فاحصة ، وبدقّة متناهية لنرى هل أنّ العقل ينظر إلى الحرب - وتحت مختلف الظروف والشروط - نظرة ذامّة ؟ وهل الموقف العقلي من الحرب هو موقف الإدانة دائماً بحيث لا يحق لأمّة من الأُمم - مهما كانت الظروف - أن تحمل السيف والجهاد وتخوض غمار الحرب ؟ أو أنّ العقل يرى في بعض الحالات وتحت سلسلة من الشروط الموضوعية انّه لا مفرّ ولا طريق أمام الأُمّة إلّا حمل السلاح والتوسّل بالحرب لإعادة حقوقها المهدورة وكرامتها المنتهكة ، ويرى أنّ الإعراض والنكوص عن الحرب في مثل تلك الظروف يُعدّ لوناً من ألوان الذلّ والهوان والجبن الذي لا ينبغي للإنسان الحر الاتّصاف به ؟ لا شكّ أنّ الأُمّة أو المجتمع إذا تعرض كلّ منهما للاعتداء والتجاوز على حقوقه وهدرت كرامته ، فحينئذٍ يحكم العقل والفطرة أنّه يحق لذلك المجتمع وتلك الأُمّة الدفاع عن حقوقها ، بل يرى العقل أنّ الحرب في هذه الحالة أمرٌ لازم لا يمكن التنصّل منه ، وانّه الحق الطبيعي لذلك المجتمع أو تلك الأُمّة . ونحن إذا نظرنا إلى جميع الأُمم وعلى مرّ التاريخ ، لا نراها تنظر إلى الحرب نظرة ذامّة حينما تستنفد جميع الحلول السلمية ويصرّ الخصم على التمادي في غيّه ولم يبق أمام هذه الأُمّة إلّا طريقان : إمّا القتل والإبادة ، أو الدفاع عن نفسها وإشهار السلاح بوجه المتجاوز لردعه عن تجاوزه . ومن هذا المنطلق وعلى أساس هذا الدليل نرى أنّ العالم المعاصر - بالرغم من ذمّه للحرب وسفك الدماء - قد اعتبر الحرب في بعض الحالات أمراً مشروعاً وعملًا قانونياً .