تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفكر الخالد في بيان العقائد — صفحة 360

مساهمون:

ص٣٦٠
ومع أنّ هذا هو الظاهر المتبادر ، إلّا أنّ ثمّة احتمالًا آخر وهو : أنّ الصراط كناية عن الطريق الذي يختاره كلّ من المؤمن والكافر في هذه الدنيا ، فالطريق الذي اختاره المؤمن يوصله إلى الجنة ، والطريق الذي اختاره الكافر ينتهي به إلى نار جهنم . والمعنى الأوّل هو الأوفق بالظواهر ، ولكن المعنى الثاني أيضاً محتمل ويؤيّد الاحتمال الثاني ما روي عن علي عليه السلام أنّه قال : « وَإِنَّ الْخَطايا خَيْلٌ شُمُسٌ حُمِلَ عَلَيْها أَهْلُها وَخُلِعَتْ لُجُمها فَتَقَحَّمَتْ بِهِمْ فِي النّارِ وَإِنَّ التَّقْوى مَطايا ذُلُلٌ حُمِلَ عَلَيْها أَهْلُها وَأُعْطُوا أَزِمَّتَها فَأَورَدَتْهُمُ الْجَنَّةَ » . « 1 » وهذا التعبير من الإمام يؤيد الاحتمال الثاني ، وهو أنّ الطريق الذي يسلكه كلّ من المؤمن والفاجر هو صراطهما في النشأة الأُخرى ، فيوصل أحدهما إلى الغاية المنشودة والآخر إلى النار . فكلّ مَن اختار طريق الطاعة فهو يوصله إلى الجنة ، ومن اختار طريق العصيان فهو يوصله إلى الجحيم . فصراط كلّ إنسان هو الطريق الذي يسلكه في النشأة الدنيا ، ثمّ يتجسّد في الآخرة فيجتازه إمّا إلى الجنة أو إلى النار . ومع ذلك كلّه فالاحتمالان على حدّ سواء عندنا دون أن نجزم بأحدهما ، وإن كان الاحتمال الثاني - كما قلنا - يؤيّده قول أمير المؤمنين عليه السلام . والذي يستفاد من قول أمير المؤمنين عليه السلام انّ طريقي الجنة والنار في الواقع يبدءان من الحياة الدنيا وينتهيان بالآخرة إلى الجنة أو النار ، وليس كما يتصوّر أنّه يوجد على جهنم طريق وصراط لا بدّ للجميع من عبوره والمرور عليه ، بل أنّ الإنسان الذي يختار في الحياة الدنيا طريق الصلاح والتقوى والورع فإنّه في الآخرة
هامش
( 1 ) . نهج البلاغة : الخطبة 16 .
الفكر الخالد في بيان العقائد — صفحة 360 | الشيخ جعفر السبحاني