للألم والأسقام فلا تفارق جسدا إلا ويتلقاها آخر ، ولذلك قال تعالى :
كُلَّما نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْناهُمْ جُلُوداً غَيْرَها لِيَذُوقُوا الْعَذابَ
[ النساء : 56 ] فهذا مذهبهم في المعاد ، وهو بعينه مذهب الفلاسفة ، وإنما شاع فيهم لما انتدب لنصرة مذهبهم جماعة من الثنوية والفلاسفة ، فكل واحد نصر مذهبهم طمعا في أموالهم وخلعهم ، واستظهارا بأتباعهم لما كان قد ألفه في مذهبه ، فصار أكثر مذهبهم موافقا للثنوية والفلاسفة في الباطن ، وللروافض والشيعة في الظاهر . وغرضهم بهذه التأويلات انتزاع المعتقدات الظاهرة من نفوس الخلق حتى تبطل به الرغبة والرهبة ، ثم ما أوهموه وهذوا به لا يفهم في نفسه ، ولا يؤثر في ترغيب وترهيب ، وسنشير إلى كلام وجيز في الرد عليهم في هذا الفن وأخباره في آخر الفصل .
( الطرف الخامس ) في اعتقادهم في التكاليف الشرعية
والمنقول عنهم الإباحة المطلقة ورفع الحجاب واستباحة المحظورات واستحلالها وإنكار الشرائع ، إلا أنهم بأجمعهم ينكرون ذلك إذا نسب إليهم ، وإنما الّذي يصح من معتقدهم فيه أنهم يقولون : لا بدّ من الانقياد للشرع في تكاليفه ، على التفصيل الّذي يفصله الإمام ، من غير متابعة الشافعي وأبي حنيفة وغيرهما ، وإن ذلك واجب على الخلق والمستجيبين إلى أن ينالوا رتبة الكمال في العلوم ، فإذا أحاطوا من جهة الإمام بحقائق الأمور ، واطلعوا على بواطن هذه الظواهر انحلت عنهم هذه القيود ، وانحطت عنهم التكاليف العملية ، فإن المقصود من أعمال الجوارح تنبيه القلب لينهض لطلب العلم ، فإذا ناله استعد للسعادة القصوى ، فيسقط عنه تكليف الجوارح ، وإنما تكليف الجوارح في حق من يجرى بجهله مجرى الحمر التي لا يمكن رياضتها إلا بالأعمال الشاقة ، وأما الأذكياء والمدركون للحقائق فدرجتهم أرفع من ذلك ، وهذا فن من الإغواء شديد على الأذكياء ، وغرضهم هدم قوانين الشرع ، ولكن يخادعون كل ضعيف بطريق يغويه ويليق به ، وهذا من الإضلال البارد ، وهو في حكم ضرب المثال كقول القائل : إن الاحتماء عن الأطعمة المضرة إنما يجب على من فسد