تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فضائح الباطنية — صفحة 53

مساهمون:

ص٥٣
قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَها أَوَّلَ مَرَّةٍ
[ يس : 79 ] . ومن تأمل عجائب الصنع في خلق الأدمى من نطفة قذرة لم يستبعد من قدرة الله شيئا وعرف أن الإعادة أهون من الابتداء « 1 » . فإن قيل : الإعادة غير معقولة ، والابتداء معقول ، إذ ما عدم كيف يعود ؟ - قلنا : لنفهم الابتداء حتى نبنى عليه الإعادة ، ورأى المتكلمين فيه أن الابتداء يخلق الحياة في جسم من الأجسام ، مع أن الحياة عرض يتجدد ساعة فساعة بخلق الله تعالى ؛ فلا يستحيل - على أصلهم - الإمساك عن خلق الحياة مدة في الجسم ثم يعود إلى خلق الحياة كما لا يستحيل خلق الحركة بعد السكون والسواد بعد البياض ، ورأى الفلاسفة أن قوام الحياة استعداد جسم مخصوص - بنوع من الاعتدال - إلى الانفعال عن النفس التي هي جوهر قائم بنفسه غير متحيز ولا متجسم ولا هو منطبع في جسم لا علاقة بينه وبين الجسم إلا بالفعل فيه ، ولا علاقة بين الجسم وبينه إلا بالانفعال عنه ، ومعنى الموت : انقطاع هذه العلاقة الفعلية ببطلان استعداد الجسم ، فإنه لا يستعد للانفعال إلا إذا كان على مزاج مخصوص ، كما لا يستعد الحديد لانطباع الصورة المحسوسة فيه أو انعكاس الأشعة عنه إلا إذا كان على هيئة مخصوصة ؛ فإذا بطلت تلك الهيئة لم ينفعل الحديد عن الصورة المحاذية له ولم ينطبع فيه ، فإذا كان هذا مذهبهم ، فالقادر على إحداث العلاقة بين نفس ، لا تتجسم ولا تختص بمكان ولا توصف بأنها متصلة بالجسم ولا بأنها منفصلة عنه ، وبين الجسم الّذي لا تناسبه بحقيقتها ولا تتصل به اتصالا محسوسا - كيف يعجز عن إعادة تلك العلاقة ! والعجب أن أكثرهم جوزوا إثبات تلك العلاقة مع جسد آخر ، على طريق التناسخ ، فلم لا يجوز عودها إلى جسدها ؟ ! فإن الجسد الّذي فسد مزاجه لأبعد في أن يصلح مزاجه وتعاد تلك العلاقة إليه ، فيكون ذلك هو المراد بالإعادة ، ويضاهى التيقظ بعد المنام فإنه يعيد حركة الحواس وتذكر الأمور السالفة .
هامش
( 1 ) إشارة إلى قوله تعالى في سورة الروموَهُوَ الَّذِي يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ[ آية : 27 ] .
فضائح الباطنية — صفحة 53 | الغزالي