تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فضائح الباطنية — صفحة 147

مساهمون:

ص١٤٧
وباطنه يوافق الظاهر فيما يتعاطاه من التزام وإعراض ، ولذلك ترى من يسبى من العبيد والإماء من بلاد الكفر إلى دار الإسلام يدينون بدينهم معتقدين وشاكرين لله على ما أتاح لهم من الرشد ورحض « 1 » عنهم من وضر « 2 » الكفر والغىّ ، ولو سئلوا عن السبب في تبديل الدين وإيثار الحق المبين على الباطل لم يعرفوا سببا إلا موافقة السادة على وفق مصلحة الحال ، ثم ذلك يؤثر في باطن عقائدهم كما نرى ونشاهد ، فإذا عرف أن العامي سريع التقلب فنصدقه في انقلابه إلى الحق كما نصدقه في إضرابه عنه إذا ظهر من معتقده خلاف الحق ، فإنا بين أن نغضى عن كافر مستسر ولا نقتله بل نتعامى عنه ، أو نهجم على قتل مسلم ظاهرا أو باطنا إن كان مضمرا لما يظهر ، وليس في التغاضي عن كفر كافر ليست له دعوة تنتشر وليس فيه شرّ يتعدى كبير محظور . فكم مننّا على الكفار وأغضينا عنهم ببذل الدينار ! فليس ذلك ممتنعا ، أما اقتحام الخطر في قتل من هو مسلم ظاهرا ويحتمل أن يكون مسلما باطنا احتمالا قويا ؛ فمحظور . الحالة الثالثة : أن نظفر بواحد من دعاتهم ممن يعرف منه أنه يعتقد بطلان مذهبه ، ولكنه ينتحله غير معتقد له ليتوصل إلى استمالة الخلق وصرف وجوههم إلى نفسه طلبا للرئاسة وطمعا في حطام الدنيا ؛ هذا هو الّذي يتقى شرّه . والأمر فيه منوط برأي الإمام ليلاحظ قرائن أحواله ويتفرس من ظاهره في باطنه ، ويستبين أن ما ذكره يكون إذعانا للحق واعترافا به بعد التحقق والكشف ، أو هو نفاق وتقية ، وفي قرائن الأحوال ما يدل عليه ، والأولى ألا يوجب على الإمام قتله لا محالة ولا أن يحرم قتله ، بل يفوض إلى اجتهاده ، فإن غلب على ظنه أنه سالك منهج التقية فيما أداه قتله ؛ وإن غلب على ظنه أن تنبه للحق وظهر له فساد الأقاويل المزخرفة التي كان يدعو إليها ، قبل توبته وأغضى عنه في الحال ، وإن بقيت به ريبة وكل به من يراقب أحواله ويفتقده في بواطن أمره ويحكم فيه بموجب ما يتضح له منه ، فهذا هو المسلك القصد القريب من الإنصاف والبعيد من التعصب والاعتساف .
هامش
( 1 ) رحض : غسل . ( 2 ) وضر : وسخ وقذر .