تخطي إلى المحتوى الرئيسي

غاية المرام في علم الكلام — صفحة 211

مساهمون:

ص٢١١
ثم إن الخصم معترف بأن ما يفعله العبد من الطاعات واجب عليه وملجئ إليه شكرا منه للّه - تعالى - على ما أولى من مننه ، وأسبغ من جزيل نعمه . فكيف يستحق الثواب على ما أدى من الواجبات ، والجزاء على ما حتم عليه من الطاعات ، وأنواع العبادات ؟ أم كيف السبيل إلى الجمع بين القول بوجوب الطاعة على العبد شكرا ، والثواب على الباري جزاء ؟ وهل ذاك إلا دور ممتنع ؟ ؛ من جهة أن الشكر لا يجب إلا بعد سابقة الثواب المتطول به ، لا ما وقع بطريق الوجوب ، فإن ذلك لا يستحق شكرا ، والجزاء الواجب لا يكون إلا بعد سابقة خدمة وطاعة متبرع بها لا ما وقع بطريق الإيجاب . وقوله تعالى :
وَلِتُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ
[ الجاثية : 22 ] وقوله :
لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَساؤُا بِما عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى
[ النجم : 31 ] فليس المراد بها التعليل ، وإنما المراد بها تعريف الحال في المآل ، كما في قوله تعالى :
فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَناً
[ القصص : 8 ] ، وقوله :
وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ
[ القصص : 73 ] ، وعلى هذا يخرج كل ما ورد في هذا الباب من الآيات والدلالات السمعيات . ونحن لا ننكر أن ذاك مما يقع ، وإنما ننكر كونه مقصودا بالتكليفات والأمر بالطاعات حتى يقال : إنه خلق لكذا ، أو لعلة كذا . بل تعالى اللّه عن ذلك علوا كبيرا . بل ويكفي الخصم من سخف عقله وزيف رأيه أن عادت حكمة خلق السماوات والأرض والنجوم والشجر والجبال ، وإظهار الآيات والدلائل والمعجزات ، وإيجاب الطاعات والعبادات ، وتصريف الخلائق بين المأمورات والمنهيات ، إلى لذة يجدها بعض المخلوقين في مقابلة طاعته تزيد على اللذة التي يجدها بطريق الابتداء والتفضل ، مع أن اللّه - تعالى - قادر على أن يخلق له أضعاف تلك اللذة في التفضل الابتدائي ، من غير تعب ولا نصب
إِنَّ اللَّهَ
غاية المرام في علم الكلام — صفحة 211 | سيف الدين الآمدي