تخطي إلى المحتوى الرئيسي

غاية المرام في علم الكلام — صفحة 161

مساهمون:

ص١٦١
جهة ، وخصوها بجهة فوق دون غيرها من الجهات ، لكن اختلفوا في الجهة فقالت الكرامية : إن كونه في الجهة كون الأجسام . وقالت الحشوية : في الجهة ليس ككون شيء من الحادثات . فهذه تفاصيل مذاهب أهل الأهواء وتشعبها في التشبيه تعالى اللّه عما يقولون علوا كبيرا . ونحن الآن مشمرون للكشف عن زيف مآخذهم ، وإبطال مذاهبهم : وقد سلك بعض الأصحاب في الرد على هؤلاء طريقا شاملا فقال : لو كان الباري مقدرا بقدر ، مصورا بصورة ، متناهيا بحد ونهاية ، مختصا بجهة ، متغيرا بصفة حادثة في ذاته لكان محدثا ، إذ العقل الصريح يقضي بأن المقادير في تجويز العقل متساوية ، فما من مقدار وشكل يقدر في العقل إلا ويجوز أن يكون مخصوصا بغيره ، فاختصاصه بما اختص به من مقدار أو شكل أو غيره يستدعي مخصصا ، ولو استدعى مخصصا لكان الباري - تعالى - حادثا . ولكن هذا المسلك مما لا يقوى ، وذلك أنه وإن سلم أن ما يفرض من المقادير والجهات وغيرها ممكنة في أنفسها ، وأن ما موقع منها لا بد له من مخصص ، لكن إنما يلزم أن يكون الباري حادثا أن لو كان المخصص خارجا عن ذاته ونفسه ، ولعل صاحب هذه المقالة لا يقول به ، وعند ذلك فلا يلزم أن يكون الباري حادثا ، ولا محتاجا إلى غيره أصلا . فإن قيل : إن ما اقتضاه بذلك ليس هو بأولى من غيره لتساوي الجميع بالنسبة إليه من جهة الاقتصاد فهو ، محز التخيلات . ولعل الخصم قد لا يسلم تساوي النسبة من جهة الاقتضاء ، إلا أن يقدر أنه لا اختلاف بين هذه الممكنات ، ولا محالة أن بيان ذلك متعذر جدا . كيف وأنه يحتمل أن ينتهج الخصم في تخصيص هذه الصفات الثابتة للذات منهج أهل الحق في تخصيص سائر الممكنات ، وبه درء الإلزام ، فإذا الواجب التفصيل في إبطال مذاهب أهل الضلال . وأول مبدوء به إبطال القول بكونه جوهرا ، فنقول :
غاية المرام في علم الكلام — صفحة 161 | سيف الدين الآمدي