معتقد أهل الحق أن الباري لا يشبه شيئا من الحادثات ولا يماثله شيء من الكائنات بل هو بذاته منفرد عن جميع المخلوقات ، وأنه ليس بجوهر ولا جسم ولا عرض ، ولا تحله الكائنات ، ولا تمازجه الحادثات ، ولا له مكان يحويه ، ولا زمان هو فيه ، أول لا قبل له ، وآخر لا بعد له ، ليس كمثله شيء
هامش
- به ضرورة المساواة في المعنى . وإن كان بغيره : فيكون الرب - تعالى - مفتقرا إلى غيره في وجوده ؛ فلا يكون واجب الوجود لذاته . وإن كان غير متحيز : لزم في كل جوهر أن يكون غير متحيز ؛ ضرورة المساواة في المعنى ؛ وهو محال . كيف :
وأنه لا معنى للجوهر غير المتحيز بذاته ، فما لا يكون كذلك ؛ لا يكون جوهرا .
الخامس : أنه لو كان جوهرا كالجواهر ؛ لما كان مفيدا لوجود غيره من الجواهر ؛ فإنه لا أولوية لبعض الجواهر بالعلية دون البعض ؛ ويلزم من ذلك أن لا يكون شيء من الجواهر معلولا ، أو أن يكون كل جوهر معلولا للآخر ؛ والكل محال .
فإن قيل : الجواهر وإن تماثلت في الجوهرية إلا أنها متمايزة ، ومتغايرة بأمور موجبة لتعيين كل واحد منها عن الآخر . وعند ذلك : فلا مانع من اختصاص بعضها بأمور وأحكام ، لا وجود لها في البعض الآخر ، ويكون ذلك باعتبار ما به التعين ، لا باعتبار ما به الاشتراك ؛ فنقول : والكلام في اختصاص كل واحد بما به التعين كالكلام في الأول ؛ وهو تسلسل ممتنع ؛ فلم يبق إلا أن يكون اختصاص كل واحد من المتماثلات بما اختص به لمخصص من خارج ؛ وذلك على اللّه - تعالى - محال . هذا إن قيل إنه جوهر كالجواهر . وإن قيل إنه جوهر لا كالجواهر : فهو تسليم للمطلوب ؛ فإنا إنما ننكر كونه جوهرا كالجواهر . وإذا عاد الأمر إلى الإطلاق اللفظي ؛ فالنزاع لفظي ولا مشاحة فيه . إلا من جهة ورود التعبد من الشارع به ؛ ولا يخفي أن ذلك مما لا سبيل إلى إثباته . وعلى هذا فمن قال : إنه جوهر بمعنى أنه موجود لا في موضوع ، والموضوع هو المحل المتقوم بذاته المقوم لما يحل فيه كما قاله الفلاسفة ، أو أنه جوهر بمعنى أنه قائم بنفسه غير مفتقر في وجوده إلى غيره كما قاله أبو الحسين البصري مع اعترافه أنه لا يثبت له أحكام الجواهر ؛ فقد وافق في المعنى ، وأخطأ في الإطلاق من حيث إنه لم ينقل عن العرب إطلاق الجوهر بإزاء القائم بنفسه ، ولا ورد فيه إذن من الشارع . انظر الأبكار ( 2 / 445 ) ، بتحقيقنا والتأسيس للرازي ( ص 86 ) ، والفصل لابن حزم ( 2 / 22 ) ، وشرح الأصول الخمسة لعبد الجبار ( ص 213 ) .