تخطي إلى المحتوى الرئيسي

غاية المرام في علم الكلام — صفحة 155

مساهمون:

ص١٥٥
إني إليك لما وعدت لناظر * نظر الذليل إلى العزيز القاهر « 1 »
ومقال العرب : نظرت إلى فلان ، أي أبصرته ببصري . والنظر المذكور في الآية موصول بإلى فوجب حمله لغة على النظر بالعين ، فإن قيل قد يوصل النظر بإلى ولا يراد به الإبصار بالعين ، ومنه قول الشاعر :
ويوم بذي قار رأيت وجوههم * إلى الموت من وقع السيوف نواظرا « 2 »
والموت لا يتصور أن يكون مرئيا بالعين ، ثم إنه يحتمل أن يكون المراد بقوله :
وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ ( 22 ) إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ
[ القيامة : 22 ، 23 ] أي إلى ثواب ربها ناظرة ، ويكون ذلك تجوزا بحذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه . كيف وهي معارضة بقوله - تعالى - :
لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصارَ
[ الأنعام : 103 ] وقوله لموسى :
لَنْ تَرانِي
وهي للتأييد ، وليس العمل بأحد الظاهرين بأولى من الآخر ، بل الترجيح لنا ، فإنه أورد ذلك في معرض التمدح والاستعلاء فلو جاز أن يكون مدركا عنه التمدح ، وهو محال . قلنا قد بينا أنه مهما اتصلت « إلى » بالنظر فإنه لا يراد به غير النظر بالعين ، وهو المراد من قول الشاعر : ( إلى الموت من وقع السيوف نواظرا ) لكن يحتمل أنه أراد بالموت الكر والفر ، والطعن والضرب ، معبرا باسم المسبب عن السبب . ويحتمل أنه أراد به أهل الحرب الذين يجري الموت والقتل على أيديهم ، ولهذا قال الشاعر :
أنا الموت الذي خبرت عنه * فليس لهارب مني نجاء
وأما نسبة النظر إلى الثواب ، فمع مخالفته الظاهر فيمتنع حمله عليه ، فإن ذلك إنما ورد في معرض الامتنان والإنعام ، والنظر إلى الثواب ليس بثواب ولا إنعام ، فيكون فيه إبطال فائدة الإنعام ، وهو ممتنع .
هامش
( 1 ) انظره في تفسير القرطبي ( 19 / 109 ) . ( 2 ) قائله : جرير كما في ديوانه ص 14 .