الجواز لقد كان ذلك سائغا واقعا ، من جهة أنه لم يقل « لست بمرئي » بل أحال ذلك على عجز الرائي وضعفه عن الإدراك بقوله :
لَنْ تَرانِي
ولو كان غير مرئي لكان الجواب : لست بمرئي ، كما لو قال : أرني أنظر إلى صورتك ومكانك ، فإنه لا يحسن أن يقال : لن تري صورتي ولا مكاني بل لست بذي صورة ولامكان .
وعلى الجملة فلسنا نعتمد في هذه المسألة على غير المسلك العقلي الذي أوضحناه ، إذ ما سواه لا يخرج عن الظواهر السمعية والاستبصارات العقلية ، وهي مما يتقاصر عن إفادة القطع واليقين فلا يذكر إلا على سبيل التقريب ، واستدراج قانع بها إلى الاعتقاد الحقيقي ، إذ رب شخص يكون انقياده إلى ظواهر الكتاب والسنة واتفاق الأمة أتم من انقياده إلى المسالك العقلية ، والطرق اليقينية ، لخشونة معركها ، وقصوره عن مدركها .
وإذا عرف جواز الرؤية عقلا فيدل على وقوعها شرعا قوله تعالى :
وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ ( 22 ) إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ
[ القيامة : 22 ] ، ووجه الاحتجاج منه أن النظر في لغة العرب قد يطلق بمعنى الانتظار ، ومنه قوله تعالى :
انْظُرُونا
[ الحديد : 13 ] ، أن انتظرونا وقوله :
ما يَنْظُرُونَ إِلَّا صَيْحَةً واحِدَةً
[ يس : 49 ] أي ينتظرون ، ومنه قول الشاعر :
فإن يك صدر هذا اليوم ولى * فإن غدا لناظره قريب « 1 »
أي لمنتظره ، وهو إذا استعمل بهذا المعنى جاء من غير صلة . وقد يطلق ويراد به التفكير والاعتبار وإذا استعمل بإزائه وصل بفي ومنه يقال : « نظرت في المعنى الفلاني أو في الكتاب . وقد يطلق ويراد به العطف والرحمة ، وإذا استعمل بإزائه وصل باللام ، ومنه تقول العرب : نظر فلان لفلان . وقد يطلق بمعنى الإبصار بالبصر ، وإذا استعمل بإزائه وصل بإلى ، ومنه قول الشاعر :
هامش
( 1 ) قائله : قراع بن أجدع ، كما في مجمع الأمثال للميداني ( 1 / 63 ، 64 ) .