تخطي إلى المحتوى الرئيسي

غاية المرام في علم الكلام — صفحة 153

مساهمون:

ص١٥٣
أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً
[ النساء : 153 ] ، ولا على العلم باللّه والمعرفة به ، فإنه كيف يظن بالنبي سؤال المحال لأجل قومه ؟ بل لو علم أن ذلك مما لا يجوز لبادر إلى دفعهم في الحال ، كما قال لهم :
إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ
[ الأعراف : 138 ] ، عند قولهم :
اجْعَلْ لَنا إِلهاً
[ الأعراف : 138 ] كيف وقد وقع ردعهم وزجرهم عن مثل ذلك السؤال بأخذ الصاعقة لهم والعذاب الأليم عقيبه ؟ كما قال تعالى
فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ وَهُمْ يَنْظُرُونَ
[ الذاريات : 44 ] ، وليس في أخذ الصاعقة لهم ما يدل على امتناع ما طلبوه ، بل لأنهم طلبوا ذلك في معرض التشكيك في نبوة موسى وقصدوا إعجازه عن ذلك ، فأنكر اللّه ذلك منهم ، كما أنكر قولهم :
لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعاً
[ الإسراء : 90 ] ،
فَأَسْقِطْ عَلَيْنا كِسَفاً مِنَ السَّماءِ
[ الشعراء : 187 ] لا لأن ذلك مستحيل ، بل بالنظر إلى ما قصد بالسؤال هنا ، ثم الآية بظاهرها تدل على أن السؤال لم يكن إلا لموسى عليه السلام بقوله :
أَرِنِي
[ الأعراف : 143 ] ، وقوله تعالى :
لَنْ تَرانِي وَلكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكانَهُ فَسَوْفَ تَرانِي
[ الأعراف : 143 ] ، ولو كان المقصود من ذلك دفع قومه عن سؤال الرؤية لم ينتهض دفع موسى عن الرؤية شبهة في دفع قومه . وأما حمل الطلب على المعرفة باللّه فأبعد من الأول أيضا ، من جهة أن لفظ النظر إذا أطلق فالمفهوم منه ظاهرا ليس إلا النظر بالعين . ثم إن موسى - عليه السلام - لم يكن جاهلا بربه ولا غير عارف به ، وإلا لما صح كونه نبيا ، فحمل الرؤية على التعريف لما قد عرفه يكون من عبث الكلام وسمجه ، ولا يجوز أن ينسب مثل ذلك إلى جاهل غبي فضلا عن نبي صفي . لكن قد يتخيل من
لَنْ تَرانِي
[ الأعراف : 143 ] ما يدرأ القول بالجواز ، وهو بعيد ، فإنا سنبين أن ذلك لم يكن منعا له إلا في الدنيا ، وإن قيل إن ذلك للتأييد فليس منه ما يدل على نفي الجواز ، بل لو قيل إنه يدل على
غاية المرام في علم الكلام — صفحة 153 | سيف الدين الآمدي