تخطي إلى المحتوى الرئيسي

عين اليقين الملقب بالأنوار والأسرار — صفحة 310

مساهمون:

ص٣١٠
مظهره الحواس وانفعالاتها ، فليس لها في مشهد آخر هذا النحو من الوجود الّذي تنفعل منه الحواس ، بل يشاهد هذه الأشياء في عرصة الآخرة بحقائقها ، بمشعر أخروي يتنوّر بنور ملكوت اللّه شأنه مشاهدة الأصل ، والمخبر ، وملاحظة الباطن والسر ، فيشاهد الجبال كالعهن المنفوش ؛ لضعف وجودها ، ويتحقق بمعنى قوله تعالى :
وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْجِبالِ فَقُلْ يَنْسِفُها رَبِّي نَسْفاً * فَيَذَرُها قاعاً صَفْصَفاً * لا تَرى فِيها عِوَجاً وَلا أَمْتاً
« 1 » . وتحضر الخلائق كلهم في عرصات القيامة ، فإذا هم بالساهرة ؛ إذ لا نوم فيها ، وتنكشف الأغطية والحجب لأهل البرازخ ، وترتفع الحواجز كما قال تعالى :
وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْواحِدِ الْقَهَّارِ
« 2 » . والمتخلّصون عند ذلك عن البرازخ يتوجّهون إلى الحضرة الربوبية
فَإِذا هُمْ مِنَ الْأَجْداثِ إِلى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ
« 3 » ،
إِنْ كانَتْ إِلَّا صَيْحَةً واحِدَةً فَإِذا هُمْ جَمِيعٌ لَدَيْنا مُحْضَرُونَ
« 4 » ، إذ عدمت عند ذلك الآجال ، وزالت السنون والساعات ، ولا يبقى إلّا اللّه الواحد القهار ، الّذي إليه مصير جميع الأمور ، بلا وقت وزمان ، ولا حيّز ولامكان ، فلا قبل يومئذ ، ولا بعد ، ولا هنا ، ولا هناك ، ولا ستر ، ولا حجاب ، وتبدّل الأرض غير الأرض ، فتمدّ مدّ الأديم ، وتبسط فلا ترى فيها عوجا ، ولا أمتا ، تجمع فيها الخلائق من أوّل الدنيا إلى آخرها ؛ لأنها - يومئذ - مبسوطة على قدر تسع الخلائق كلها ، ومن أطلق اللّه حقيقته عن قيد الزمان والمكان يعرف أنّ مجمع الزمان وما يطابقه كساعة واحدة هي شأن
هامش
( 1 ) - سورة طه ، الآية 105 - 107 . ( 2 ) - سورة إبراهيم ، الآية 48 . ( 3 ) - سورة يس ، الآية 51 . ( 4 ) - سورة يس ، الآية 53 .