خير أو شرّ يعمله يرى أثره مكتوبا ثمّة ، ولا سيّما مار سخت بسببه الهيئات وتأكّدت به الصفات وصار خلقا وملكة ، فإنّ ذلك مما يوجب خلود الثواب والعقاب .
وذلك لأنّ الملكات النفسانيّة تصير صورا جوهريّة وذواتا قائمة فعّالة في النفس تنعيما وتعذيبا ، ولو لم يكن للآثار الحاصلة في النفس من الأعمال والأقوال دوام وثبات وقوّة واشتداد يوما فيوما ، إلى حدّ تصير ملكة راسخة ، لم يكن لأحد تعلّم شيء من الصنائع والحرف ، ولم ينجع فيه التأديب والتهذيب ، ولم يكن في تعليم الأطفال فائدة ، ولا لهم تفاوت من أوّل الحداثة إلى آخر حدّ الكمال ، وتكون التكاليف الشرعيّة عبثا لا فائدة فيها .
ولو لم يكن لتلك الملكات من الثبات والتجوهر ما يبقى أبد الآباد ، لم يكن لخلود أهل الجنّة في الثواب وخلود أهل النار في العقاب - أبدا - وجه .
فإنّ منشأ الثواب والعقاب لو كان نفس العمل أو القول - وهما أمران زائلان - للزم بقاء المعلول مع زوال العلّة المقتضية ، وذلك غير صحيح ، والفعل الجسماني الواقع في زمان متناه ، كيف يصير منشأ للجزاء الواقع في أزمنة غير متناهية ؟ ومثل هذه المجازاة غير لائق بالحكيم ، سيّما في جانب العذاب .
قال - تعالى - :
ذلِكَ بِما قَدَّمَتْ يَداكَ
« 1 » [ 22 / 10 ]
وَما أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ
[ 50 / 29 ] .
هامش
( 1 ) - في النسخة : « ذلك بما كسبت يداك » والصحيح ما أثبتناه .