شرح
وصححه البيهقي من حديث حذيفة مرفوعا : « إن اللّه صانع كل صانع وصنعته » « 1 » . ولذا وبّخهم سبحانه بقوله تعالى :أَ تَعْبُدُونَ ما تَنْحِتُونَ« 2 » . أي ما تعملون من الأصنام وبقوله تعالى :أَ فَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لا يَخْلُقُولأن العبد لو كان خالقا لأفعاله لكان عالما بتفاصيلها كما يشير إليه سبحانه بقوله :أَ لا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ« 3 » . وقول علي كرّم اللّه تعالى وجهه : عرفت اللّه بفسخ العزائم ، ولقد أغرب المعتزلة حيث صرفوا قوله تعالى :اللَّهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍإلى صفة اللّه حتى قالوا : إن كلامه مخلوق ولم يصرفوه إلى صفات الخلق حتى قالوا : إن أفعال العباد غير مخلوقة له ، وأما قوله تعالى :وَما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ رَمى« 4 » . فمعناه ما رميت خلقا إذ رميت كسبا ، ولكن اللّه رمى بخلق كسب الرمي في المصطفى صلى اللّه عليه وسلم .
قال الإمام الأعظم في كتابه الوصية : نقرّ بأن العبد مع جميع أعماله وإقراره ومعرفته مخلوق ، فلما كان الفاعل مخلوقا فأفعاله أولى أن تكون مخلوقة انتهى . . . وبيانه على وجه يظهر برهانه هو أن علة افتقار الأشياء في وجودها إلى الخالق هي إمكانه ، وكل ما يدخل في الوجود جوهرا كان أو عرضا فهو ممكن في عالم الشهود ، فإذا كان العبد القائم بذاته لإمكانه يستفيد الوجود في شأنه من الخالق عزّ شأنه فأفعاله القائمة به أولى أن تستفيد الوجود من خالق ، وهذا معنى قوله تعالى واللّه الغني أي بذاته وصفاته عن جميع مصنوعاته وأنتم الفقراء أي المحتاجون بذواتكم وصفاتكم وأعمالكم وأحوالكم إلى اللّه أي إلى إيجاده في الابتداء ، وإمداده في الأثناء قبل الانتهاء .
ثم اعلم أن إرادة العبد التي تقارن فعله وقدرته عليه حال صنعه مخلوقتان مع الفعل لا قبله ولا بعده ، قال الإمام الأعظم في كتابه الوصية : نقرّ بأن الاستطاعة مع الفعل لا
هامش
- أخته . توفي سنة 144 ه . مترجم في سير أعلام النبلاء 6 / 104 .
( 1 ) أخرجه الحاكم 1 / 31 - 32 وصحّحه على شرط مسلم ووافقه الذهبي ، والبيهقي في الأسماء والصفات 1 / 129 و 2 / 398 ، والبخاري في خلق أفعال العباد ص 125 من حديث حذيفة بن اليمان .
ولفظه عند الحاكم « إن اللّه خالق . . . » أما عند البخاري والبيهقي : « إن اللّه تعالى يصنع كل صانع وصنعته » .
( 2 ) الصّافّات : 95 .
( 3 ) الملك : 14 .
( 4 ) الأنفال : 17 .