وجميع أفعال العباد من الحركة والسكون كسبهم على الحقيقة واللّه تعالى خالقها . . .
شرح
فضله وكرمه لا يعمل بمجرد تعلّق علمه بل لا بدّ من إظهار اختيار العبد وحصول عمله ليترتب عليه الحساب ويتفرّع عليه الثواب أو العقاب واللّه أعلم بالصواب .
[ بحث في أن أفعال العباد كسبهم وخلق اللّه تعالى ]
( وجميع أفعال العباد من الحركة والسكون ) أي على أيّ وجه يكون من الكفر والإيمان والطاعة والعصيان ( كسبهم على الحقيقة ) أي لا على طريق المجاز في النسبة ، ولا على سبيل الإكراه والغلبة ، بل باختيارهم في فعلهم بحسب اختلاف أهوائهم وميل أنفسهم فلها ما كسبت وعليها ما اكتسبت ، لا كما زعمت المعتزلة أن العبد خلق لأفعاله الاختيارية من الضرب والشتم وغير ذلك ، ولا كما زعمت الجبرية القائلون بنفي الكسب والاختيار بالكلية ففي قوله تعالى :إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ« 1 » . رد على الطائفتين في هذه القضية . والحاصل أن الفرق بين الكسب والخلق هو أن الكسب أمر لا يستقل به الكاسب والخلق أمر يستقل به الخالق ، وقيل : ما وقع بآلة فهو كسب ، وما وقع لا بآلة فهو خلق ، ثم ما أوجده سبحانه من غير اقتران قدرة اللّه تعالى بقدرة العبد وإرادته يكون صفة له ، ولا يكن فعلا له كحركة المرتعش ، وما أوجده مقارنا لإيجاد قدرته واختياره فيوصف بكونه صفة وفعلا ، وكسبا للعبد كالحركات الاختيارية ، ثم المتولدات كالألم في المضروب والانكسار في الزجاج بخلق اللّه ، وعند المعتزلة بخلق العبد ( واللّه تعالى خالقها ) أي موجد أفعال العباد وفق ما أراد لقوله تعالى :اللَّهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ« 2 » أي ممكن بدلالة العقل وفعل العبد شيء ولقوله تعالى :أَ فَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لا يَخْلُقُ« 3 » . أي الذي يصدر منه حقيقة الخلق ليس كمن لا يصدر منه ذلك في شيء ، وهذا في مقام التمدّح بالخالقية وكونها سببا لاستحقاق العبادة ولقوله تعالى :وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَما تَعْمَلُونَ« 4 » . أي وعملكم أو معمولكم . وبه احتج أبو حنيفة رحمه اللّه على عمرو بن عبيد « 5 » ، وفي حديث رواه الحاكمهامش
( 1 ) الفاتحة : 5 .
( 2 ) الأنعام : 102 ، والرعد : 16 ، والزّمر : 62 .
( 3 ) النحل : 17 .
( 4 ) الصّافّات : 96 .
( 5 ) هو عمرو بن عبيد ، الزاهد العابد القدري ، كبير المعتزلة ، وأولهم ، أبو عثمان البصري . قال ابن علية : أول من تكلّم في الاعتزال واصل الغزال ، فدخل معه عمرو بن عبيد فأعجب به وزوّجه -