ثم خاطبهم وأمرهم ونهاهم فكفر من كفر بفعله وإنكاره وجحوده الحق بخذلان اللّه تعالى إياه وآمن من آمن بفعله وإقراره وتصديقه بتوفيق اللّه تعالى إياه ونصرته له . أخرج ذريّة آدم من صلبه على صور الذرّ فجعلهم عقلاء فخاطبهم . . .
شرح
آثار الكفران وأنوار الإيمان بأن جعلهم قابلين لأن يقع منهم العصيان والإحسان كما قال اللّه تعالى :هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ« 1 » . أي في عالم الظهور والبيان ، ( ثم خاطبهم ) أي في وقت التكليف بالعبادة على لسان أرباب الرسالة وأصحاب السعادة ( وأمرهم ) أي بالإيمان والطاعة ( ونهاهم ) أي عن الكفر والمعصية ( فكفر من كفر بفعله ) أي باختياره ( وإنكاره ) أي مع جهله وإصراره ( وجحوده ) أي مع عناده واستكباره ( بخذلان اللّه تعالى ) أي بترك نصرته سبحانه ( إياه ) وعدم توفيقه لما يرضاه وهو مقتضى عدله كما قال اللّه تعالى :إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئاً وَلكِنَّ النَّاسَ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ« 2 » . ( وآمن من آمن بفعله ) أي بانقياده وإذعانه ( وإقراره ) أي بلسانه ( وتصديقه ) أي بجنانه على وفق أمر اللّه ومراده ( بتوفيق اللّه تعالى إياه ونصرته له ) أي فيما قدّره وقضاه بمقتضى فضله كما قال اللّه تعالى :إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَشْكُرُونَ« 3 » .
وهذا لا ينافي كونهما كافرا ومؤمنا في علم اللّه تعالى بحديث خلقت هؤلاء للجنة ولا أبالي ، وخلقت هؤلاء للنار ولا أبالي ، وحديث فرغ ربكم من العباد فريق في الجنة وفريق في السعير ، فإن الحديث الجامع المانع قوله عليه الصلاة والسلام : « اعملوا فكلّ ميسّر لما خلق له » « 4 » . ( أخرج ذرية آدم ) عليه السلام أي طبقة بعد طبقة إلى يوم القيامة ( من صلبه ) أي أولا ثم أخرج من أصلاب أبنائه وترائب بناته نسلهم ( على صور الذر ) أي على هيئة النمل الصغير بعضها بيض وبعضها سود ، وانتشروا إلى يمين آدم ويساره ( فجعلهم عقلاء فخاطبهم ) أي حين أشهدهم على أنفسهم بقوله تعالى : ألست بربكم قالوا
هامش
( 1 ) التغابن : 64 .
( 2 ) يونس : 44 .
( 3 ) البقرة : 143 .
( 4 ) أخرجه البخاري 1362 و 4945 ، ومسلم 2647 ، وأبو داود 4694 ، والترمذي 2136 و 3344 ، وأحمد 1 / 82 و 129 و 132 و 140 ، وابن ماجة 78 ، وعبد الرزاق 20074 ، والآجري في الشريعة ص 171 - 172 ، والطبري 30 / 223 ، وأبو يعلى 375 و 582 ، وابن حبان 334 و 335 كلهم من حديث علي بن أبي طالب .