ولفظنا بالقرآن مخلوق وكتابتنا له مخلوقة وقراءتنا له مخلوقة والقرآن غير مخلوق .
شرح
اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ« 1 » . أي محدث في الإنزال ، وإلا فكلامه النفسي منزّه عن الانتقال ( ولفظنا بالقرآن مخلوق وكتابتنا وقراءتنا له مخلوق ) ، وهذا كالتأكيد لقوله : لفظنا ولا يبعد أن يراد بالقراءة تصوّر مبانيه وتقرّر معانيه من غير التلفّظ بها فيه ، ولعله لهذا المعنى لم يقل وحفظنا له مخلوق وذلك لأنها كلها من أفعالنا وفعل المخلوق مخلوق ، ( والقرآن ) أي كلامه النفسي ونعته القدسي ( غير مخلوق ) أي ولا حال في المصاحف ولا غيرها وذلك أن كل من يأمر وينهى ويخبر عن ما مضى يجد في نفسه معنى يدل عليه بالعبارة ، أو يشير إليه بالكتابة ، أو الإشارة .
[ بحث في أن القرآن كلام اللّه غير مخلوق ولا حادث ]
ثم اعلم أن مذهب الأشعري أنه يجوز أن يسمع الكلام النفسي أي بطريق خرق العادة كما نبّه عليه الباقلاني ، ومنعه الأستاذ أبو إسحاق الأسفرائيني وهو اختيار الشيخ أبي منصور الماتريدي فمعنى قوله تعالى :حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ« 2 » . يسمع ما يدل عليه ، فموسى عليه الصلاة والسلام سمع صوتا دالّا على كلامه سبحانه ، لكن لما كان بلا واسطة الكتابة والملك بل على طريق خرق العادة خصّ باسم الكليم كما يدل عليه قوله تعالى :نُودِيَ مِنْ شاطِئِ الْوادِ الْأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ« 3 » . وسيأتي زيادة تحقيق لهذا المرام في كلام الإمام ، وقد قال الإمام الأعظم في كتابه الوصية نقرّ بأن القرآن كلام اللّه تعالى ووحيه وتنزيله وصفته لا هو ولا غيره ، بل هو صفته على التحقيق مكتوب في المصاحف مقروء بالألسن محفوظ في الصدور غير حالّ فيها ، والحروف والحركات والكاغد « 4 » والكتابة كلها مخلوقة ، لأنها أفعال العباد وكلام اللّه سبحانه وتعالى غير مخلوق ، لأن الكتابة والحروف والكلمات والآيات كلها آلة القرآن لحاجة العباد إليها وكلام اللّه تعالى قائم بذاته ومعناه مفهوم بهذه الأشياء فمن قال بأن كلام اللّه تعالى مخلوق ، فهو كافر باللّه العظيم واللّه تعالى معبود ولا يزال عما كان وكلامه مقروء ومكتوب ومحفوظ من غير مزايلة عنه . انتهى . وقال فخر الإسلام : قد صحّ عن أبي يوسف أنه قال : ناظرت أبا حنيفة في مسألة خلق القرآن فاتفق رأيي ورأيه على أن من قال بخلق القرآن فهو كافر ، وصحّ هذا القولهامش
( 1 ) الأنبياء : 2 .
( 2 ) التوبة : 6 .
( 3 ) القصص : 30 .
( 4 ) قال في القاموس : الكاغذ : القرطاس ، معرّب .