شرح
المعتزلة ، فالآية ليست على ظاهرها بالاتفاق فلا تكون تامّة في الدلالة على مطلوبهم ، ولا يخفى أن حمل ( كبائر ما تنهون عنه ) على الكفر على كلّ من الوجهين المذكورين في غاية البعد إذ البلاغة تقتضي أن تجتنبوا الكفر لو جازته وموافقته لعرف البيان ، فالحق أن مدلول الآية تكفير الصغائر بمجرد الاجتناب عن الكبائر ، وتعليق المغفرة بالمشيئة في آية أخرى مخصوص بما عدا ما اجتنب معه الكبائر . انتهى . ولا يخفى أن هذا مذهب ثالث مخالف للمذهبين المسمى بالملفّق ، فكيف يحكم بكونه الحق على الوجه المطلق ، ثم الأظهر أن الخطاب في الآية للمؤمنين ، وأن الكبائر على معناها المتعارف مما عدا كفر الكافرين كما يشير إليه قوله تعالى :كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ« 1 » والمعنى : إن تجتنبوا كبائر المنهيّاتنُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ« 2 » بالطاعات كما يدلّ عليه قوله تعالى :إِنَّ الْحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ« 3 » . وسائر الأحاديث الواردة في باب المكفّرات .
[ مسألة في أن الدعاء للميت ينفع خلافا للمعتزلة ]
ومنها : أن دعاء الأحياء للأموات وصدقتهم عنه نفع لهم في علوّ الحالات خلافا للمعتزلة تمسّكا بأن القضاء لا يتبدل ، وكل نفس مرهونة بما كسبت والمرء مجزي بعمله لا بعمل غيره ، وأجيب بأن عدم تبدّل القضاء بالنسبة إلى الموتى لا ينافي نفع دعاء الأحياء لهم ، فإن ذلك النفع بالدعاء يجوز أن يكون بالقضاء ، وإن توفيق الأحياء للدعاء لهم يجوز أن يكون بكسبهم عملا في الدنيا يستحق به مثل ذلك الجزاء فيكون مجزيّا بعمله في الآخرة ، على أنه قد ورد في الأحاديث الصحيحة من الدعاء للأموات خصوصا في صلاة الجنازة ، وقد توارثه السّلف وأجمع عليه الخلف فلو لم يكن للأموات فيه نفع لكان عبثا ، بل جاء في القرآن آيات كثيرة متضمّنة للدعوات للأموات كقوله سبحانه :رَبِّ ارْحَمْهُما كَما رَبَّيانِي صَغِيراً« 4 » . وقوله تعالى :رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوالِدَيَّ وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِناً وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ« 5 » . وقوله تعالى :رَبَّنَا اغْفِرْ لَنا وَلِإِخْوانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونا بِالْإِيمانِ« 6 » . وعن سعد بن عبادة رضي اللّه تعالى عنه أنه قال : يا رسول اللّه ! إن أم سعد ماتت ، فأيّ الصدقة أفضل ؟ قال عليه الصلاة والسلام : « الماء » فحفر بئرا وقال :هامش
( 1 ) النساء : 31 .
( 2 ) النساء : 31 .
( 3 ) هود : 114 .
( 4 ) الإسراء : 24 .
( 5 ) نوح : 28 .
( 6 ) الحشر : 10 .