شرح
وَأَضَلَّهُمُ السَّامِرِيُّ« 1 » وفسّر المعتزلة الهداية ببيان طريق الصواب وهو باطل بقوله تعالى :إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ« 2 » . الآية ، مع أنه عليه الصلاة والسلام بيّن طريق الإسلام ، ودعا إلى الهداية جميع الأنام قيل ، والمشهور عند المعتزلة أن الهداية هي الدلالة الموصلة إلى المطلوب ، فينبغي بقوله تعالى :وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْناهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمى عَلَى الْهُدى« 3 » .
ومنها : أن ما هو أصلح للعبد فليس بواجب على اللّه سبحانه ، وإلّا لما خلق الكافر الفقير المعذّب في الدنيا والأخرى ، فإن العدم أصلح له من الوجود في عالم الشهود ، ولمّا كان له سبحانه منّة على العباد ، وقد قال اللّه تعالى :بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَداكُمْ لِلْإِيمانِ« 4 » . ولمّا كان امتنانه على نحو موسى عليه السلام فوق امتنانه على نحو فرعون ، إذ فعل لكلّ منهما غاية مقدورة من الأصلح له ، ولمّا كان لسؤال العصمة والتوفيق وكشف الضرّاء والبأساء والبسط في الخصب والرخاء معنى لأن ما يفعله في حق كل أحد فهو مفسدة له يجب على اللّه تركها ، ولعمري أن مفاسد هذا الأصل وهو وجوب الأصلح ، بل أكثر أصول المعتزلة أظهر من أن تخفى ، وأكثر من أن تحصى ، وذلك لقصور نظرهم في المعارف الإلهية والعلوم المتعلقة بذاته وصفاته الثبوتية والسلبية ورسوخ قياس الغائب على الشاهد في طباعهم الدّنيّة القاصرة عن إدراك الحقائق الغيبية ، ثم ليت شعري ما معنى وجوب الشيء على اللّه سبحانه ، إذ ليس معناه استحقاق تاركه الذم والعقاب وهو ظاهر لأن الألوهية تنافي الوجوب في مقام الربوبية ، فإن الوجوب حكم من الأحكام ، والحكم لا يثبت إلا بالشرع ولا شارع على الشارع فتمّ المرام في أحسن النظام .
[ مسألة خلف الوعيد كرم فيجوز عليه تعالى ]
ومنها : أن خلف الوعيد كرم فيجوز من اللّه تعالى والمحقّقون على خلافه كيف وهو تبديل القول ، وقد قال اللّه تعالى :ما يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ« 5 » . أي بوقوع الخلف فيه يعني لا تبديل ولا خلف لقولي فلا [ تطمعوا ] « 6 » أن أبدل وعيدي ، وقد أفردت في المسألة رسالة مستقلة سمّيتها ( بالقول السديد في منع خلف الوعيد ) .هامش
( 1 ) طه : 85 .
( 2 ) القصص : 56 .
( 3 ) فصّلت : 16 .
( 4 ) الحجرات : 17 .
( 5 ) ق : 29 .
( 6 ) تصحّفت في الأصل إلى تطعموا وهو خطأ والصواب [ تطمعوا ] كما أثبتنا .