تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح كتاب الفقه الأكبر — صفحة 180

مساهمون:

ص١٨٠
شرح
اللّه أيضا أنه قال : لو لم يبعث اللّه رسولا لوجب على الخلق معرفته بعقولهم ، فالفرق بيننا وبين المعتزلة القائلين بالحسن والقبح العقليين ما ذكره الأستاذ أبو منصور الماتريدي وعامّة مشايخ سمرقند رحمهم اللّه تعالى : أن العقل عندهم إذا أدرك الحسن والقبح يوجب بنفسه على اللّه وعلى العباد مقتضاهما ، وعندنا الموجب هو اللّه تعالى يوجبه على عباده ، ولا يجب عليه سبحانه شيء باتفاق أهل السّنّة والجماعة . والعقل عندنا آلة يعرف بها ذلك الحكم بواسطة اطّلاع اللّه تعالى على الحسن والقبح الكائنين في الفعل ، والفرق بيننا وبين الأشاعرة أنهم قائلون بأنه لا يعرف حكم من أحكام اللّه إلا بعد بعثة نبي ، ونحن نقول : قد يعرف بعض الأحكام قبل البعثة بخلق اللّه تعالى العلم به إما بلا كسب كوجوب تصديق النبي وحرمة الكذب الضارّ ، وإما مع كسب بالنظر والفكر وقد لا يعرف إلا بالكتاب والنبي عليه السلام كأكثر الأحكام ، وقال أئمة بخارى : عندنا لا يجب إيمان ، ولا يحرم كفر قبل البعثة كقول الأشاعرة وحملوا المرويّ عن أبي حنيفة رحمه اللّه على ما بعد البعثة . قال ابن الهمام : وهذا الحمل ممكن في العبارة الأولى دون الثانية ، إلا أنه قدر في تحريره « 1 » أنه يجب حمل الوجوب في قوله لوجب عليهم معرفة اللّه بعقولهم على معنى ينبغي فحمل الوجوب على المعنى العرفي ، وهو الأليق والأولى ، لأن تسمية الأفعال طاعة ومعصية قبل البعثة تجوّز إذ هما فرع الأمر والنهي فإطلاق الطاعة والمعصية قبل ورود أمر ونهي مجاز من قبيل إطلاق الشيء على ما يؤول إليه ، فكيف يتحقّق طاعة أو معصية قبل ورود أمر ونهي . قال ابن الهمام : بل يجوز العقل بذكر اسمه شكرا فلولا أنه سبحانه أطلق بفضله ذكر اسمه سمعا ووعد عليه أجرا حيث قال سبحانه :فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ« 2 » . ونحوه لخاف من اتّضح لعقله عظمة كبريائه وجلاله من أن يسمّيه تعالى بلسانه في جميع أحواله إذ يرى أنه أحقر من ذلك ، فسبحان من تقرّب إلى خلقه بفضله وعظيم برّه . انتهى .
هامش
( 1 ) هو التحرير للكمال ابن الهمام شرحه تلميذه محمد بن محمد بن أمير الحاج الحلبي المتوفّى سنة 879 ه في كتاب اسمه التقرير والتحبير ، كما شرحه محمد أمين ، أمير بادشاه في كتاب اسمه تيسير التحرير في أربعة أجزاء . ( 2 ) البقرة : 152 .