جواره في الجنة والوقوف بين يديه بلا كيف . . . .
شرح
جواره ) بكسر الجيم أي مجاورة العبد للّه ( في الجنة ) أي في مقام القربة ( والوقوف ) أي في القيامة ( بين يديه بلا كيف ) أي من غير وصف وبيان كشف كما في قوله تعالى :وَلِمَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَّتانِ« 1 » . وقوله تعالى :وَأَمَّا مَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ« 2 » الآية .
وقد أبعد شارح هنا حيث قال : القرب والبعد يقع على المناجي لا على اللّه ، ألا ترى أن القرب والبعد كان على معنى الكرامة والهوان وأن اللّه تعالى أقرب إلى العبد من حبل الوريد ، انتهى . ولا يخفى ما في كلامه من التناقض حيث يفهم من عمله أن القرب والبعد يقع على حقيقته بطريق المسافة على المناجي دون اللّه سبحانه ، ثم حملهما على معنى الكرامة والهوان الذي هو نص في المعنى المجازي ، ثم قوله : إن اللّه تعالى أقرب إلى العبد من حبل الوريد حيث أثبت له القرب من العبد ، مع أن نسبة القرب والبعد متساوية في الربّ والعبد فالتحقيق في مقام التوفيق أن مختار الإمام أن قرب الحق من الخلق ، وقرب الخلق من الحق وصف بلا كيف ونعت بلا كشف ، والجمهور يؤوّلونهما ويحملونهما على قرب رحمته بطاعته وبعد نعمته بمعصيته ، هذا وبلسان أرباب العبارات وأصحاب الإشارات معنى القرب إلى الربّ أن ترى نعمته وتشاهد منّته في جميع حالاتك وتغيب فيها عن رؤية أفعالك ومجاهداتك .
وقد قال بعض العلماء في قوله :وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ« 3 » . إنه سبحانه وتعالى لفرط قربه منك لا تراه ، ولغاية بعدك عنه لا ترى شيئا سواه ، وهذا تمام لمن يطلب معرفة مولاه ولا يصحّ الطلب إلا لمن خالف هواه .
هامش
قال النووي في شرح مسلم 4 / 200 : معناه أقرب ما يكون من رحمة ربه ، وفضله وفيه الحثّ على الدعاء في السجود ، وفيه دليل لمن يقول : إن السجود أفضل من القيام وسائر أركان الصلاة ، وفي هذه المسألة ثلاثة مذاهب : أحدها أن تطويل السجود وتكثير الركوع والسجود أفضل حكاه الترمذي ، والبغوي عن جماعة ، وممّن قال بتفضيل تطويل السجود ابن عمر رضي اللّه عنهما ، والمذهب الثاني مذهب الشافعي رضي اللّه عنه وجماعة أن تطويل القيام أفضل لحديث جابر في صحيح مسلم أن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال : « أفضل الصلاة طول القنوت » . والمراد بالقنوت القيام ، ولأن ذكر القيام القراءة ، وذكر السجود التسبيح ، والقراءة أفضل ، لأن المنقول عن النبي صلى اللّه عليه وسلم أنه كان يطول القيام أكثر من تطويل السجود ، والمذهب الثالث أنهما سواء ، وتوقف أحمد بن حنبل رضي اللّه عنه في المسألة ولم يقض فيها بشيء .
( 1 ) الرحمن : 46 .
( 2 ) النازعات : 40 .
( 3 ) ق : 16 .