مما روي في الأخبار أنه كان ويكون لهم لا نسمّيها آيات ولا كرامات ، ولكن نسمّيها قضاء حاجات لهم ، وذلك لأن اللّه تعالى يقضي حاجات أعدائه استدراجا لهم وعقوبة لهم فيغترّون به ويزدادون طغيانا وكفرا وذلك كله جائز وممكن . . .
شرح
ويحييه ( مما روي في الأخبار ) أي الأحاديث والآثار ( أنه كان ) أي بعض الخوارق ( يكون لهم ) أي ولأمثالهم وفي نسخة ويكون لهم نظرا إلى أن خرق العادة للدجّال إنما يكون في حال الاستقبال ( فلا نسمّيها ) أي تلك الخوارق ( آيات ) أي معجزات لأنها مختصّة بالأنبياء عليهم الصلاة والسلام ( ولا كرامات ) أي لاختصاصها بالأصفياء ، ( ولكن نسمّيها قضاء حاجات لهم ) أي للأعداء من الأغبياء أعمّ من الكفّار والفجار ( وذلك ) أي ما ذكر من أن خوارق العادات قد تكون للأعداء على وفق قضاء الحاجات ( لأن اللّه تعالى ) لعموم كرمه وجوده في عباده ( يقضي حاجات أعدائه استدراجا ) أي مكرّا بهم في الدنيا ( وعقوبة لهم ) في العقبى ، كما قال اللّه تعالى :سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ« 1 » . أي سنستدنيهم وسنقرّبهم إلى العقوبة والنقمة والعذاب والهلاك قليلا قليلا بإكثار النعمة وإطالة المدة ليتوهموا أن ذلك تقريب من اللّه وإحسان ، وإنما هو تبعيد وخذلان ففي الحديث : إذا رأيت اللّه يعطي العبد ما يحب من النعمة وهو مقيم على المعصية ، فإنما ذلك استدراج ، ثم تلا هذه الآية :فَلَمَّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنا عَلَيْهِمْ أَبْوابَ كُلِّ شَيْءٍ« 2 » . أي من أنواع النّعم استدراجا لهم وامتحانا لهم :حَتَّى إِذا فَرِحُوا بِما أُوتُوا أَخَذْناهُمْ بَغْتَةً فَإِذا هُمْ مُبْلِسُونَ« 3 » أي متحيّرون آيسون من كل خير لأن العقوبة فجأة في حال النعمة أشد منها في العقوبة فتكون كثرة نعمتهم الصورية موجبة لنقمتهم الأخروية .
وأصل الاستدراج الاستصعاد والاستنزال درجة بعد درجة ( فيغترّون به ) أي من حيث يحسبونه إحسانا ( ويزدادون طغيانا ) أي إن كانوا فجّارا ( وكفرا ) أي إن كانوا كفّارا فأو للتنويع ، وفي نسخة : ويزدادون كفرا وطغيانا يعني كما وقع لفرعون حيث عاش في الدنيا أربعمائة سنة ، ولم ينكسر في مطبخه قصعة ( وذلك كله جائز ) أي وقوعه من اللّه أو ثابت نقلا ( وممكن ) أي عقلا كما في قضية إبليس ودعوته بقوله أنظرني إلى يوم يبعثون ، وإجابته بقوله سبحانه :فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ إِلى يَوْمِ الْوَقْتِ
هامش
( 1 ) الأعراف : 182 .
( 2 ) الأنعام : 44 .
( 3 ) الأنعام : 44 .