منزّهون عن الصغائر والكبائر والكفر والقبائح . . .
شرح
الأولى أن لا يقتصر على عدد فيهم ( منزّهون ) أي معصومون ( عن الصغائر والكبائر ) أي من جميع المعاصي ( والكفر ) خصّ لأنه أكبر الكبائر ولكونه سبحانه :لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ« 1 » . ( والقبائح ) وفي نسخة والفواحش وهي أخصّ من الكبائر في مقام التغاير كما يدل عليه قوله سبحانه وتعالى :الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَواحِشَ« 2 » والمراد بها نحو القتل والزنى واللواطة والسرقة وقذف المحصنة والسحر والفرار من الزحف والنميمة وأكل الربا ومال اليتيم ، وظلم العباد وقصد الفساد في البلاد .
وقال سعيد بن جبير : إن رجلا قال لابن عباس رضي اللّه عنهما : كم الكبائر ، أسبع هي ؟ قال : إلى سبعمائة أقرب منها إلى سبع غير أنه لا كبيرة مع الاستغفار ، ولا صغيرة مع الإصرار .
واختلفوا في حدّ الكبيرة فقال ابن سيرين رضي اللّه عنه : كل ما نهى اللّه عنه فهو كبير ويؤيده ظاهر قوله سبحانه :إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ« 3 » الآية .
وقال الحسن وسعيد بن جبير والضحاك « 4 » وغيرهم : ما جاء في القرآن مقرونا بذكر الوعيد فهو كبيرة ، وهذا هو الأظهر فتدبّر .
ثم اعلم أن ترك الفرض أو الواجب ولو مرة بلا عذر كبيرة ، وكذا ارتكاب الحرام وترك السّنّة مرة بلا عذر تساهلا وتكاسلا عنها صغيرة ، وكذا ارتكاب الكراهة والإصرار على ترك السّنّة ، أو ارتكاب الكراهة كبيرة إلا أنها كبيرة دون كبيرة ، لأن الكبير والصغير من الأمور الإضافية والأحوال النسبية ، ولذا قيل : حسنات الأبرار سيئات المقربين ، قال شارح عقيدة الطحاوي ، « وثم أمر ينبغي التفطّن له وهو أن الكبيرة قد يقترن بها من الحياء والخوف والاستعظام لها ما يلحقها بالصغائر ، وقد يقترن بالصغيرة من قلّة الحياء وعدم المبالاة وترك الخوف والاستهانة بها ما يلحقها
هامش
( 1 ) النساء : 48 .
( 2 ) النساء : 31 .
( 3 ) النجم : 32 .
( 4 ) هو أبو القاسم الضحاك بن مزاحم الهلالي ، صاحب التفسير المتوفى سنة 102 ه . قال الإمام الذاهبي : كان من أوعية العلم ، وليس بمجود في حديثه ، وهو صدوق في نفسه ولم يلق ابن عباس ، وإنما لقي سعيد بن جبير فأخذ عنه التفسير . ترجم في السّير 4 / 598 - 600 .