والرابع ، انّه يعاملهم معاملة المستهزئ ، أمّا في الدنيا فبالاستدراج على التمادي في الضلالة بالإمهال والزيادة في النعمة ، فكلّما أحدثوا خطيئة جدّد اللّه لهم نعمة ليستدرجهم إلى الهلاك والعقاب بسبب طغيانهم في كفرهم ، وهذا لقوم ، أو يحسّن في أعينهم قبائح أعمالهم ، وذلك لطائفة ؛ وأمّا في الآخرة فبأن يفتح لهم وهم في النار بابا إلى الجنّة فيسرعون نحوه فإذا صاروا إليه سدّ عليهم وفتح لهم باب آخر إلى الجنّة ، فيسرعون إليه ثمّ يسدّ عليهم ، وذلك قوله :
فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ
« 1 » وعلى هذا فالكلام « استعارة تمثيلية » .
والخامس ، انّ معنى الاستهزاء بهم انّه تعالى جعل لهم بما أظهروه من موافقة المؤمنين ظاهر أحكامهم من الموارثة والمناكحة وغير ذلك من الأحكام ، وإن كان قد أعدّ لهم في الآخرة أليم العقاب . بما أبطنوه من الكفر والنفاق ، فهو سبحانه كالمستهزئ بهم من حيث جعل لهم أحكام المؤمنين ظاهرا لكن ميّزهم عنهم في الآخرة .
وهذه الوجوه يمكن أن يذكر في المكر والخديعة وبالجملة ، معنى خداعهم للّه انّهم يعملون عمل المخادع من انّ صورة صنيعهم مع اللّه وصنيع اللّه معهم من استدراجهم وإمهالهم مجازاة لهم بمثل صنيعهم صورة عمل المتخادعين .
وقيل : المعنى انّهم يخادعون رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله - إمّا على حذف المضاف أو على انّ معاملة الرسول معاملة اللّه كما قال تعالى :
مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطاعَ اللَّهَ
« 2 » ومعنى الخداع من اللّه انّ مضرّة الخداع ترجع إليهم وضررها يحيق بهم ، كما قال تعالى في موضع آخر :
وَما يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ
« 3 » وذلك لما غرّوها بالخدعة ، وأنفسهم أيضا خدعتهم حيث حدثتهم بالأماني الفاسدة وحملتهم على مخادعة من لا يخفى عليه خافية .
هامش
( 1 ) . المطفّفين : 34 .
( 2 ) . النساء : 80 .
( 3 ) . البقرة : 9 .