اللّه تبارك لا يسخر ولا يستهزئ ولا يمكر ولا يخادع ، ولكنّه عزّ وجلّ يجازيهم جزاء السخرية وجزاء المكر والخديعة ، تعالى اللّه عمّا يقول الظالمون علوّا كبيرا .
شرح : السخرية والاستهزاء متقاربان ، كما انّ المكر والخديعة متساوقان .
والاستهزاء : الاستخفاف من « الهزء » وهو الخفّة ، يقال : « ناقته تهزأ به » أي تسرع وتخف . وأصل الخداع : الإخفاء ومنه المخدع للخزانة . والخدعة أن توهم غيرك خلاف ما تخفيه لتنزله عمّا هو بصدده . وكل ذلك على اللّه محال : أمّا السخرية والاستهزاء فلاستلزامهما الجهل عليه تعالى ، ألا ترى إلى قول موسى النبيّ - عليه السّلام - حين قيل له :
أَ تَتَّخِذُنا هُزُواً قالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجاهِلِينَ
« 1 » ؛ وأمّا المكر والخداع فلأنّهما انّما يصدران من العاجز والخائف الذي لا يعارض الخصم كفاحا ، فيجب فيها المصير إلى معنى صحيح ؛ أمّا آية السخرية والاستهزاء ففيها وجوه :
الأوّل ما ذكره الإمام - عليه السّلام - من انّه يجازيهم جزاء السخرية وجزاء الاستهزاء فقد سمّى جزاءهما باسمهما كما سمّى جزاء السيئة سيّئة ، إمّا لمقابلة اللفظ باللفظ فيكون من مجاز « المشاكلة » وإمّا للتساوي في القدر لأنّ حكم الجزاء أن يكون على المساواة فيكون « استعارة مصرحة » تبعية بعلاقة التشابه في القدر .
والثاني ، انّه يرجع عليهم وبال استهزائهم ويعود ما قصدوه به إليهم كمن يرميك بحجر فتأخذ أنت ذلك الحجر وترميه إليه ، أو يقع في موضع صلب فيردّ إليه ، وقد ردّ اللّه سبحانه ما قصدوه من غمّ المؤمنين بتزايد غمّهم يوما فيوما لتضاعف نصر النبيّ والمؤمنين وإعلاء كلمة الدين فالكلام « استعارة » أيضا .
والثالث ، ينزل بهم ما يلزم الاستهزاء ويترتّب عليه من الحقارة والهوان فالكلام مجاز مرسل تسمية السبب باسم المسبّب .
هامش
( 1 ) . البقرة : 67 .