التاسعة ، سبيل قويم وطريق مستقيم في تحقيق ذلك السرّ ، وكشف هذا الستر ، وهو انّ معنى كون العلل المفارقة بحيث يكون بينها وبين معاليلها سبعون درجة انّ تلك العلل من مقام قدسها وعلوّ مرتبتها تسير في كمالاتها سيرا نزوليّا وتسافر من مشارق تجرّدها لعرض الجواهر المندمجة فيها على نفسها إلى مغارب نورها إلى أن ظهر من نورها جزء من سبعين في معلولها الشارق ونورها عليه حيث لا يتحمّل لمرتبة السافلة أكثر من ذلك المقدار ، والّا لاحترقت من شعاع تلك الأنوار ، أو صارت بحيث لا يتمكّن من التوجّه إلى ما هو أسفل منها لولهها « 1 » بالانغمار في النور الأعلى منها و
لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها
« 2 » ولا يحتمل كلّ آنية « 3 » الّا ما يسعها ؛ وأمّا الأجزاء الباقية فهي الكمالات الذاتيّة للعلل والأنوار المندمجة فيها المنطوية ، ولا يتجاوز عنها إلى غيرها ، فقد ورد انّ هذه الشمس المحسوسة لو ظهرت بوجهها النورانيّ وقابلت أهل الأرض بذلك الوجه المضيء لم يمكن تعيّش الحيوانات ولم ينبت في الأرض نبات ، وانّ في القيامة تظهر بذلك الوجه الكامن لأنّها موطن بروز البواطن . وهذا الحكم أي التفاوت بين العلّة والمعلول بسبعين درجة ثابت في هذه العلل السافلة أيضا ، كما يظهر من جوهرية الصورة النارية وعرضية حرارتها اللازمة ، فانظر المسافة ودع عنك الشك والشبهة . وذلك بناء على المضاهاة الواقعة بين العوالي والسوافل والمطابقة الحاصلة بين الظواهر والبواطن الّا انّ معرفة خصوص تلك الدرجات في الماديات عسير جدّا . وليعلم انّ هذه الدرجات بتلك الأعداد انّما هي في العلل والمعلولات الممكنة ، وأمّا فيما فوق ذلك فلا يعلم جنود ربّك الّا هو « 4 » ، وأين نسبه المتناهي إلى ما لا يتناهى في الحساب ، وما للتراب وربّ الأرباب !
هامش
( 1 ) . لولهها : لومها م ن د .
( 2 ) . البقرة : 286 .
( 3 ) . كلّ آنية : كلالية د .
( 4 ) . مقتبس من الآية 31 من المدّثّر :وَما يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ.