بالجمع بين المتنافيين . ثمّ قال : والقول بتكليف ما لا يطاق لازم عليكم في مسألة العلم يا أرباب الاعتزال ، كما انّه لازم علينا في مسألة خلق الأفعال ، ولو انّ جملة العقلاء اجتمعوا وأرادوا أن يوردوا على هذا الكلام حرفا لما قدروا عليه الّا أن يلتزموا مذهب هشام بن الحكم وهو انّ اللّه تعالى لا يعلم الأشياء قبل وقوعها لا بالوجود ولا بالعدم .
الشبهة الثانية : انّ اللّه تعالى قال :
إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَ أَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ
« 1 » فأولئك الذين أخبر اللّه عنهم بهذا الخبر ، لو آمنوا لانقلب هذا الخبر كذبا ، والكذب محال على اللّه ، والمفضي إلى المحال محال ، فكان صدور الإيمان محالا مع أن اللّه يأمرهم بالإيمان .
الشبهة الثالثة : انّه تعالى كلّف « أبا لهب » بأن يؤمن ومن جملة الإيمان تصديق اللّه فيما أخبر عنه ، وممّا أخبر عنه انّ أبا لهب لا يؤمن ، فقد صار أبو لهب مكلّفا بأن يؤمن بأنّه لا يؤمن ، وهذا تكليف بالجمع بين النقيضين .
والجواب على ما قاله بعض الأفاضل عن الأوّل : بأنّه « إن أراد بالتنافي أن يكون رفع « 2 » كل منهما من أجزاء العلّة التامة للآخر فالدليل لا يدلّ عليه ، لأنّا لا نسلّم انّ انتفاء الإيمان وتحقّق الإيمان متنافيان بهذا المعنى ، ولو سلّم فلا نسلّم انه يستلزم أن يكون العلم بانتفاء الإيمان منافيا لتحقّق الإيمان بهذا المعنى ، وإن أراد أعمّ من ذلك بطل قوله : « فكما انّ الأمر بالجمع » إلى آخره ، لأنّه إن أراد بالجمع بين المتنافيين الأمر بكلّ منهما ، فليس المشبّه كالمشبّه به ، وإن أراد أعمّ من ذلك فتحقّق الإيمان ليس ممّا لا يطاق ، لأنّه ليس ممتنعا بالذات ولا ممتنعا لفقد شيء من علته التامة ، والامتناع باعتبار آخر لا ينافي القدرة ولا الاستقلال بالقدرة ، والّا يلزم أن لا يكون اللّه سبحانه قادرا بالاستقلال ، لكونه تعالى عالما بأفعاله وتروكه ؛
هامش
( 1 ) . البقرة : 6 .
( 2 ) . رفع : دفع د .