كما انّه يحكم العقل على هذا الشيء بأنّه كان ممكنا حين قبل الوجود والّا فالإمكان متأخّر عن الوجود لا محالة ، كما هو التحقيق ؛ ثمّ بمنع كونه على تقدير الإمكان يجوز أن يوجد وأن لا يوجد ، لاحتمال أن يكون أحدهما راجحا رجحانا لا يصل إلى حدّ الوجوب كخيرية الوجود مثلا وغير ذلك ، وهذا الأخير قريب ممّا ذكره الفاضل .
والجواب عن الشكّ الخامس وهو شبهة الإرادة الموجبة ، كما ذكره الفاضل بما رواه صاحب الكافي - رضي اللّه عنه - انّ : « الإرادة في المخلوق الضمير وما يبدو لهم بعد ذلك من الفعل ، وأمّا من اللّه فإرادته إحداثه لا غير « 1 » » ومعناه انّ لإرادة الفاعل لأفعال نفسه فردين لا ثالث لهما ، يتحقّق كلاهما في الخلق وأحدهما في الخالق ، وقد سبق انّ الإرادة لا تتقدّم على وجود المعلول لأنّهما متضايفان ، فإذا كان الإحداث غير متقدّم على حدوث المعلول فالإحداث المقيّد المعبّر عنه بالإرادة والمشية والترجيح والاختيار وكذا تعلّقها بالمعلول ، لا يتقدّم عليه بطريق أولى فنقول في الجواب :
أوّلا ، انّ هذا الميل القلبي الجازم فعل اختياري « 2 » لأنّ التكليف يتعلّق به فليس من أجزاء العلّة التامّة لكل فعل اختياري للعبد ، والّا لزم الدور أو التسلسل .
وثانيا ، انّ هذا الميل القلبي ليس من الصفات الّتي لا يحدث الّا مع الفعل لانّه قد يتقدّم عليه بدليل قوله : « وما يبدو لهم بعد ذلك » ويسمّى بهذا الاعتبار « عزما » ويبقى بشخصه حين الفعل ، لكن لا يسمى « عزما » ولا يتغيّر بشخصه بل يتغيّر زمانه . ونظير ذلك ما قلنا في جواب « شك العلم الأزلي » من انّ العلم بأنّ الشيء سيتحقّق هو العلم بتحقّقه بلا تغيّر ، وحينئذ لا نسلّم كونه واجب الإفضاء . وأمّا « 3 »
هامش
( 1 ) . الكافي ، ج 1 ص 109 ؛ باب الإرادة انها من صفات الفعل ، حديث 3 .
( 2 ) . اختياري : اختيار ب .
( 3 ) . وامّا : فامّا ب .