على هذا الوجود العنصري ، بخلاف الصّوم فانّه للإمساك عن الكلّ وقطع الأصول والفروع للانقطاع إلى مبدأ المبادي وعلّة كلّ معلول . وما ذكرناه أوّلا أعلى وأصفى .
ثم انّه عليه السلام فرّع على ذلك الحكم الذي قد قلنا في بياننا ، قوله :
« فالصّوم يميت مواد النفس » إشارة إلى فنائها بكليّتها ، « ويميت شهوة الطبع » ، إشارة إلى الفناء عن مشتهياتها الدنيوية والأخروية . وفيه صفاوة القلب الذي هو اللطيفة الإلهية أي صفاء الرّوح العلويّة عن الميل إلى غير وجه اللّه والقرب منه ، وطهارة الجوارح الظاهرة عن الأدناس الدنيوية ، ونظافة القوى الباطنة عن الخيالات الشيطانية والهوسات النفسانية ، وعمارة الظاهر والباطن بتخريب بنيان الإنّية وبالفناء عن الكل بالكلية لأنّ توهم الوجود لشيء يقتضي السّكنى في هذا الخراب والوقوف تحت الحجاب .
وفيه ، أي في الصوم ، الشكر على النعم لأنّ حقيقة الشكر هو رؤية المنعم لا النعم وذلك يستلزم الحكم بفناء الغير على الحقيقة .
وفيه ، الإحسان إلى الفقراء لما قد مسّه من الجوع والعطش وعدم الوصول إلى المشتهيات مع الرّغبة إليها .
وفيه ، زيادة التضرع والخشوع والبكاء لما قد يشاهد من أن تقليل الغذاء انّما هو تقوية الروح وتحريكه إلى الجنبة العالية والمبدأ الأعلى بالخضوع والخشوع والبكاء .
وهو ، حبل الالتجاء إلى اللّه تعالى وسبب انكسار الهمة حيث قلنا : انّ الصوم عبارة عن فناء العبد عند المولى فهو سبب انكسار الهمّة عن غير اللّه وموجب لتخفيف الحساب ، إذا الحساب انّما هو على شيء والصائم قد فنى عن نفسه وعن كلّ شيء ، وكذا تضعيف الحسنات لانّه إذا أفنى عن الكلّ يقوم مقامه
شرح توحيد الصدوق — صفحة 680
مساهمون: القاضي سعيد القمي
ص٦٨٠