على النّار في ذلك الصّور غدوّا وعشيّا ولا يدخلونها لأنّهم محبوسون في ذلك القرن ، ويوم القيامة يدخلون أشدّ العذاب وهو العذاب المحسوس لا المتخيل الّذي كان لهم في البرزخ .
ومن الّذي قلنا ، اتّضح أنّ « البرزخ » عبارة عن كون النفس حين ما فارقت هذا البدن العنصري متعلقة بالجسم الحقيقي النوري الخالص عن كدورات الغواشي العنصريّة والكيفيّات المزاجيّة وهو ملكوت هذا البدن ، كما أنّ كلّيته ملكوت عالم الأجسام وعرش الجسمانيّات ، وهو عمله المتجسّد له في البرزخ ، إذ النفس بحسب اختياراته المحمودة والمذمومة ، انّما صنعت هذا الجسد البرزخي حيث غلب الماء العذب والأجاج ، أحدهما على الآخر ، بحسب آرائها وأخلاقها وأفعالها وأقوالها ، فهذا البدن عملها الذي لا يفارقها إذ هو الذي صنعته لنفسها واختارته لرمسها « 1 » . وهذا العالم البرزخي هو القرن المحيط بجميع الصّور الكونيّة ، وهو الصّور الملقم في فم إسرافيل من الملائكة ، وهو عالم الخيال والمثال لكونه ممّا يدرك بالخيال لا بغيره من المدارك والمشاعر ، لأنّه أمر خيالي فهو عالم موجود ، ولذّاته وآلامه كلّها جسمانية حقيقية ، لكن المدرك هو الخيال ، وله السلطان في هذا المثال ، فالمدرك في هذا العالم وإن كان هو الخيال ، لكن المدرك ( بالفتح ) أعمّ من المحسوس والمتخيل والمعقول وذلك لسعة الخيال ونوريته وكونه مظهرا للاسم النور حتى أنّ نوره ينفذ في كلّ شيء حتى المعدوم والمحال ، فيلبسه لباس الوجود « 2 » .
وأمّا سعة القبر وضيقه ، فلعلّه على ما قلنا هو أنّ هذا الجسم الذي قلنا أنّه ملكوت هذه الأجسام وباطنها الذي ظهرت بهذه الصّور العنصريّة والسّماوية في
هامش
( 1 ) . الرمس : القبر .
( 2 ) . إلى هنا انتهى ما نقل من كلام ابن العربي في الفتوحات ج 1 ، ص 307 - 304 مع توضيحات وإضافات .